غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم يزُر رمضان غزة هذه المرة أيضًا كما كان يفعل قبل بدء الإبادة. لا ازدحام في الأسواق برغم وقف إطلاق النار "الهش"، ولا فوانيس تتدلّى من الشرفات، ولا موائد تتسع لأصنافٍ لا تُحصى. يأتي الشهر مثقلًا برائحة الركام، يمرّ على أحياءٍ بلا كهرباء، وبيوت نصفها قائم ونصفها الآخر شاهدٌ على الغياب.
هنا، لم يعد رمضان موسم وفرة، بل اختبارًا يوميًا للقدرة على الاحتمال، ومحاولة حثيثة للإبقاء على ما تبقّى من معنى للحياة.
"اليوم صرنا نفكّر ماذا سنطبخ أصلًا. اللّمة لم تعد كما كانت، ولا أصناف الطعام المعتادة موجودة. قد نجتمع حتى لو كان الإفطار عدسًا وخبزًا يابسًا، المهم أن نبقى معًا".
في أحد أزقة مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، تجلس أمنية السيقلي (41 عامًا)، أمام موقدٍ صغير أشعلته بأوراق كراتين المساعدات. تُرتّب ما تبقّى من أوانٍ نجت من القصف، وتتحدّث عن رمضان الذي كان، حين كانت العائلة تشتري حاجيات الشهر دفعة واحدة، وتملأ المطبخ بما يلزم للّمة الكبيرة.
اليوم -تقول- "صرنا نفكّر ماذا سنطبخ أصلًا. اللّمة لم تعد كما كانت، ولا أصناف الطعام المعتادة موجودة. قد نجتمع حتى لو كان الإفطار عدسًا وخبزًا يابسًا، المهم أن نبقى معًا". هكذا اختُزلت المائدة إلى معناها الأول: اجتماع القلوب قبل امتلاء الصحون.
توضح أن عائلتها المكوّنة من سبعة أفراد اعتادت أطباقًا شعبية كالمسخّن والمقلوبة، لكن غلاء الأسعار ونقص المواد الأساسية بدّل كل شيء، وتعلق: "الدجاج أصبح حلمًا، وإن توفر فليس بمقدورنا دفع ثمنه. الزيت بالكاد نؤمّنه، صرنا نعتمد على البقوليات، ونطبخ ما يتيسّر، المهم أن نفطر معًا".
في منزلٍ جزئيّ الدمار في خانيونس جنوبي القطاع، يجلس محمد طوطح (52 عامًا)، إلى جانب بطارية صغيرة موضوعة فوق طاولة خشبية.
ينظر إليها كما لو كانت كنزًا ثمينًا، ويقول: "هذه ستكون فوانيسنا هذا العام. نشغّل الضوء ساعةً وقت الإفطار فقط، ثم نطفئه لتوفير الشحن. رمضان صار صامتًا، بلا تلفاز ولا مسحراتي".

ومع ذلك، يحرص محمد على أن تجتمع أسرته الممتدّة في الأيام الأولى من الشهر. يضيف: "اللمة صارت متواضعة جدًا. كل أسرة تحضر ما تملك، نضعه في مائدة واحدة. الحرب فرّقتنا كثيرًا، ورمضان فرصة لنشعر أننا ما زلنا عائلة".
حتى صلاة التراويح لم تعد تُقامُ في المساجد التي طالها الدمار، بل في الساحات المفتوحة؛ يفرش الناس الأرض ويصلّون معًا، والأطفال يقلّدون الكبار بحركاتٍ صغيرة تمنحهم شيئًا من الطمأنينة.
"لا أضمن ما يحمله الغد، فأكتفي بالحد الأدنى. كنتُ أعدّ قائمة أكلات رمضان، الآن أعدّ الأيام، فالأسعار مرتفعة والراتب مقطوع. سنطبخ أي شيء، ليس مهمًا أن تكون الطبخة كاملة".
في مواصي رفح أيضًا، حيث الهدنة اسمٌ بلا أثر، وحيث تستمر الطلقات في اختراق صمت الخيام، تقف إيمان عليوة (33 عامًا)، أمام بائع خضار. تتفحّص الأسعار طويلًا ثم تغادر دون شراء، قبل أن تعود بخطوات مترددة.
تقول: "لا أضمن ما يحمله الغد، فأكتفي بالحد الأدنى. كنتُ أعدّ قائمة أكلات رمضان، الآن أعدّ الأيام، فالأسعار مرتفعة والراتب مقطوع. سنطبخ أي شيء، ليس مهمًا أن تكون الطبخة كاملة".
وتؤكد أن التغيّر في أطباق رمضان كان الأقسى على الأطفال: "يسألون: أين القطايف؟ أين العصائر؟ أحاول أن أشرح لهم، وأخترع بدائل. أخلط قليلًا من السكر بالماء أحيانًا وأقنعهم أن هذا شراب رمضان". أحاول أن أحمي طفولتهم من إدراك الفقد الكامل، وأن أترك لهم نافذة صغيرة للفرح، ولو كانت بطعم ماءٍ محلى".

وفي مخيم النصيرات، علّقت مروة شاهين (29 عامًا)، خيوطًا ورقية ملوّنة صنعتها بيديها. قصاصات بسيطة وفوانيس من علب فارغة، تضاء ساعة أو ساعتين فقط لأن البطارية لا تكفي.
تقول: "نفعل ذلك لأجل الأطفال، حتى يشعروا أن رمضان ما زال موجودًا". وتضيف: "أطفالي ينتظرون لحظة الإضاءة كل يوم، يفرحون بها أكثر من أي شيء، بعدها نطفئ كل شيء ونبقى على ضوء الشموع". في تلك الدقائق القليلة، يتسع الضوء لما عجزت عنه المدينة كلها كما تصف.
تغيّرت الأطعمة قسرًا، وخفتت الزينة، وتقلّصت المساحات، بل إن الفقد حرم كثيرين حتى من لمةٍ بسيطة حول مائدة متواضعة.
هكذا يمضي رمضان في غزة بعد إعلان وقف الإبادة. لا يُقاس بعدد الأطباق ولا بطول السهرات، بل بقدرة العائلات على ابتكار البدائل، وعلى انتزاع لحظة دفء من بين الركام.
تغيّرت الأطعمة قسرًا، وخفتت الزينة، وتقلّصت المساحات، بل إن الفقد حرم كثيرين حتى من لمةٍ بسيطة حول مائدة متواضعة. ومع ذلك، يصرّ الناس على أن يتركوا نافذة مفتوحة للشهر، ولو على ضوء شمعة، ولو تحت هدير الحرب. ففي مدينةٍ تحاصرها النار، يصبح الحفاظ على روح رمضان فعل مقاومة، ويغدو الإفطار البسيط إعلانًا عن حياةٍ ترفض أن تنطفئ.
























