غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في مراكز الإيواء، لا تتوقف المعاناة عند ما يُنشر في نشرات الأخبار من أمراضٍ متفشية وحياة لم تعد تعرف الاستقرار في أي منحى. فمن التفاصيل التي لا ترصدها العدسات، تلك الأعباء التي تُثقل كاهل المرأة الغزية كل يوم، وتنهك صحتها الجسدية بصمت. ويُعد الغسيل اليدوي واحداً من هذه الأعباء، بعد أن فقدت معظم النساء البيوت، ووسائل الراحة التي كانت تتوفر بوجود "الغسّالة" والكهرباء.
ومنذ بداية فصل الشتاء يتحول غسل الملابس إلى همٍ يومي ما أَثقله؛ خاصةً أن الملابس الشتوية لا تجفّ بسرعة، وتحتاج مجهوداً أكبر عند غسلها على اليدين، عدا عن شحّ المياه، لكن نساء غزة أمام كل هذه الظروف يواصلن العمل رغم الإرهاق والآثار الصحية.
"كنا نرى النساء يغسلنّ الملابس يدويًا، ومع دخول الشتاء أصبحت المهمة أشد قسوة، حيث البرد، والملابس الثقيلة، وغياب المرافق المناسبة، ما جعل الغسيل عبئًا لا يُطاق".
داخل مركز إيواء مدرسة "بنات النصيرات"، يكتّظ النازحون مفتقرين لأبسط المرافق، وهناك تلفت الأنظار حبالُ الغسيل المنشورة بهيئة عشوائية، بعد أن تقضي السيدات ساعاتٍ طويلة في غسل ملابس أسرهن يدويًا، وسط ظروفٍ مزرية، في مشهد يشرح قسوة النزوح كما هي، دون تزيين.
من هنا، انبثقت فكرة مبادرة "خيمة الغسيل"، لتكون "استراحة محارب" من عملٍ قاسٍ يتكرر بلا توقف، ويستنزف الطاقات. وذلك استجابةً لواقعٍ يُنهك النساء بصمت، ويكشف أن أبسط الاحتياجات حين تُهمل، تتحوّل إلى أداةِ ضغطٍ إضافية على حياة فقدت مقوماتها الأساسية.

لاحظ شباب المنتدى الاجتماعي التنموي (SDF) أن هذه المعاناة تتكرر لدى كل أسرة تقريبًا. أكثر من 175 أسرةً نازحة داخل مدرسة في النصيرات تواجه الصعوبة ذاتها، ومع ذلك بقي الغسيلُ عبئًا "غير مرئي"، يُنظر إليه باعتباره أمرًا ثانويًا، رغم ارتباطه المباشر بالصحة العامة، والضغط النفسي الهائل على النساء.
تقول منسقة المشروع نداء أبو اِرجيلة لـ"شبكة نوى": "لم تأتِ فكرة المبادرة من إطارٍ نظري، بل من واقعٍ مُعاش. كنا نرى النساء يغسلنّ الملابس يدويًا، ومع دخول الشتاء أصبحت المهمة أشد قسوة، حيث البرد، والملابس الثقيلة، وغياب المرافق المناسبة، ما جعل الغسيل عبئًا لا يُطاق، ومن هنا، كان لا بد من فعل شيء".
وما أن بدأ تنفيذ المبادرة، تحولّت "خيمة الغسيل" إلى أكثر من مجرد مكانٍ لغسل الملابس، لتمنح شعور الارتياح للنازحين. فالحلول بدايتها فكرة، وتطبيقها على أرض الواقع ممكن، حيث تولّى المتطوعون والمتطوعات داخل المركز تشغيل الغسالات، وتنظيم الأدوار، وضبط آلية الاستخدام، وهذا العمل الجماعي عزَّز روح المشاركة رغم محدودية الإمكانيات.
"لم نكتفِ بتوفير خدمة الغسيل، بل نفذّنا ورشاتٍ توعوية للنساء حول النظافة الشخصية والصحة العامة، ووزّعنا طرودَ نظافة شخصية، حتى يكون الأثر صحيًا ونفسيًا في آن".
سيد خليل صالح أحد المتطوعين، يخبر "شبكة نوى" قائلاً: "لم نكتفِ بتوفير خدمة الغسيل، بل نفذّنا ورشاتٍ توعوية للنساء حول النظافة الشخصية والصحة العامة، ووزّعنا طرودَ نظافة شخصية، حتى يكون الأثر صحيًا ونفسيًا في آنٍ واحد".
أم محمود واحدة من المستفيدات من هذه المبادرة، تحكي لنا بلهجة عامية:" قبل خيمة الغسيل كنا نغسل بإيدينا، والبرد كان يتعبنا كتير. اليوم ارتحنا جسديًا ونفسيًا، وصار عنا وقت نهتم بأولادنا، اشي حلو إنو في حدا حاسس فينا".

ورغم الأثر الإيجابي للمبادرة، إلا أنها لم تخلُ من التحديات، حسب حديث المشرفين عليها، أبرزها أن عدد الغسالات كان محدودًا مقارنةً بعدد الأسر المستفيدة، ما فرض ضغطًا يوميًا على عملية التنظيم، خاصة مع الملابس الشتوية الثقيلة التي تحتاج وقتًا أطول.
كما أن عدمَ انتظام الكهرباء شكّل عائقًا آخر، إلى جانب النقص المستمر في موادّ التنظيف الأساسية، التي لا غنى عنها لضمان استمرارية الخدمة على نحوٍ لائق. ومع ذلك، استمرت الخيمة في العمل، مدفوعةً بإصرار المتطوعين وحاجة الناس التي لا تنتظر.
على المستوى النفسي، لُوحظ تراجعٌ واضح في التوتر المرتبط بأعباء الغسيل اليومية، وشعرت النساء أن هناك من يشعر بمعاناتهن ويساهم في تخفيفها.
الأثر المرجو من المبادرة ظهرَ بوضوحٍ على النساء، بعد أن كانت مهمة الغسيل تستنزف منهن ساعاتٍ طويلة من العمل اليدوي في البرد، مما قلّل من مقدار الإجهاد والتعب لديهن، وانعكس إيجاباً إلى حدٍ ما على صحتهن، ومنحَهن وقتًا لرعاية أطفالهن والاهتمام بشؤون الأسرة الأخرى.
وعلى المستوى النفسي، لُوحظ تراجعٌ واضح في التوتر المرتبط بأعباء الغسيل اليومية، وشعرت النساء أن هناك من يشعر بمعاناتهن ويساهم في تخفيفها، مما عزّز الإحساس بالتضامن المجتمعي داخل المركز.

بهذا، تكشف "خيمة الغسيل" أن التدخل الإنساني الفعّال لا يبدأ بمشاريعَ كبيرة، وإنما قد يحقق هدفه بملامسة التفاصيل اليومية التي تُرهق الناس بصمت. ففي مكانٍ جَرَّد النازحين من القدرة على إدارة معظم جوانب حياتهم، أعادت هذه المبادرة جزءًا من كرامتهم، لتؤكد أن الحلول- ولو كانت بسيطة- تبدأ من المجتمع ذاته.
























