شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م19:04 بتوقيت القدس

(85%) من مرافق المياه خارج الخدمة..

بحرٌ ملوث وخزانٌ يحتضر.. غزة تشرب رواسب حربها

12 فبراير 2026 - 12:34

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يعد البحر في مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، أزرقًا كما في الذاكرة. صار أقرب إلى رماديٍ ثقيل، كأنّ الموج نفسه يتنفس بصعوبة.

في خيمةٍ مهترئة نُصبت على بعد أمتار من الشاطئ، تعيش عائلة أبو سامر ياسين، محاصرةً بين ماءٍ لا يُشرب وبحرٍ لا يمكن الاقتراب منه.

تقول زوجته بصوتٍ خافت: "نسيم المساء لم يعد يحمل معه رائحة البحر. هنا تختلط الرطوبة بروائح الصرف الصحي".

يملأ أبو سامر  الغالون من صهريجٍ جوّال، ثم يكتشف أن الماء ذاته يترك أثرًا لاذعًا في الحلق. "نحن عالقون بين بحرٍ ملوث ومياهٍ شحيحة. لا نعرف ممّ يجب أن ننجو".

كانت الأم في السابق تترك أطفالها يركضون حفاةً على رمل الشاطئ، يطاردون الموج ويعودون بضحكاتٍ مبللة، لكنها اليوم تمنعهم من الاقتراب. أصغرهم أُصيب قبل أسابيع بإسهالٍ حادّ، قضى أيامًا يتلوّى في الخيمة تحت حرّ الصيف، فيما كانت تبحث عن ماءٍ نظيف ودواءٍ لا يتوفر دائمًا.

الأب يشكو من ملوحة مياه الشرب وطعمها الغريب. يملأ الغالون من صهريجٍ جوّال، ويدفع ثمنه مضاعفًا، ثم يكتشف أن الماء ذاته يترك أثرًا لاذعًا في الحلق. يقول لـ"نوى": "نحن عالقون بين بحرٍ ملوث ومياهٍ شحيحة. لا نعرف ممّ يجب أن ننجو".

حكاية أبو سامر ليست استثناءً، بل نموذجًا مكثفًا لمدينةٍ تغرق فيما لا يُرى. الحرب في غزة لم تكتفِ بما هو ظاهر من دمارٍ وضحايا، بل امتدت إلى أخطر موردٍ حيوي: المياه.

ومع الانهيار شبه الكامل لمنظومة الصرف الصحي، صار البحر مكبًّا اضطراريًا، وصارت المياه الجوفية عرضةً للتلوث، في أزمةٍ تتجاوز اللحظة إلى سنواتٍ قادمة.

في حيّ الشجاعية شرقي مدينة غزة، تجلس أمّ محمد فوق درجٍ إسمنتي متشقق أمام بيتٍ تصدّع نصفه. تشير إلى الشارع المنخفض حيث تتجمع بركٌ داكنة من المياه العادمة، وتقول: "نستيقظ أحيانًا على رائحةٍ خانقة، كأن الحيّ كله يتخمر".

محمد (12 عامًا)، توقف عن الذهاب إلى نقطة التعليم المؤقتة بعد إصابته بالتهابٍ جلديّ حاد. لاحظت أمها طفحًا أحمر على ساقيه بعد أن خاض في المياه الراكدة ليصل إلى الخيمة.

ابنها البكر، محمد (12 عامًا)، توقف عن الذهاب إلى نقطة التعليم المؤقتة بعد إصابته بالتهابٍ جلديّ حاد، حيث كانت قد لاحظت طفحًا أحمر على ساقيه بعد أن خاض في المياه الراكدة ليصل إلى الخيمة التي يتلقى فيها دروسه.

تحكي الأم كيف حاولت تجفيف الأرض أمام البيت، لكن المياه تعود كل مرة: "نغسل الأواني بماءٍ نخشى أن يكون ملوثًا، ونشرب ماءً لا نثق به، ثم ننتظر دورنا في المرض".

قبل الإبادة، كان زوجها يعمل في الصيد. اليوم قاربهم مدمّر، والبحر نفسه لم يعد مصدر رزقٍ آمن. تضيف: "حتى السمك الذي يصل السوق، نخاف أن نأكله".

الواقع الذي تصفه العائلات تؤكده الأرقام، فقد ألحقت العمليات العسكرية دمارًا واسعًا بالبنية التحتية لقطاع الصرف الصحي.

ويوضح حسني مهنا، الناطق باسم بلدية غزة، أن انقطاع الكهرباء وشح الوقود عطّلا محطات الضخ والمعالجة، ما أدى إلى شبه انهيار كامل للمنظومة.

طفحت المياه العادمة في الشوارع والمناطق المنخفضة، وأمام خطر غرق الأحياء، اضطرت البلديات إلى تصريف كميات كبيرة من المياه غير المعالجة مباشرةً إلى البحر أو إلى مناطق مفتوحة كإجراءٍ اضطراري.

في مدينة غزة وحدها، بلغ حجم الأضرار نحو 212 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي، إضافةً إلى تضرُّر وتدمير ثماني مضخّات رئيسة كانت تشكّل عمود المنظومة الفقري.

وفي مدينة غزة وحدها، بلغ حجم الأضرار نحو 212 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي، إضافةً إلى تضرُّر وتدمير ثماني مضخّات رئيسة كانت تشكّل عمود المنظومة الفقري.

"ومع خروج أكثر من 85% من مرافق وأصول المياه والصرف الصحي عن الخدمة، وتوقف 47 محطة ضخ كليًا أو جزئيًا، بات تدفق المياه العادمة مشهدًا مألوفًا، وإن كان كارثيًا" يقول مهنا.

هذا التدهور انعكس مباشرة على الشريط الساحلي، فالبحر الذي كان متنفسًا للفقراء صار مصدر تهديدٍ صحي. يحذر مهنا من تسرب الملوثات إلى الخزان الجوفي، المصدر الأساسي للمياه في القطاع، ما يفاقم أزمة المياه الصالحة للاستخدام ويهدد النظام البيئي البحري، خاصة في ظل الاكتظاظ السكاني الحاد.

بدوره، يؤكد الخبير البيئي عبدالفتاح عبدربه، أن تلوث سواحل غزة ليس وليد اللحظة، لكنه تضاعف حدّةً مع الحرب.

"عشرات بؤر التفريغ تنتشر على طول الساحل، ما يجعل المياه الشاطئية غير آمنة للسباحة أو حتى الاقتراب، خصوصًا في المناطق القريبة من نقاط التصريف" يقول، شارحًا أن مياه الصرف الصحي تحمل مواد عضوية وكيماوية وأملاحًا وميكروبات ممرِضة، تصيب الأسماك بالطفيليات والسموم، وتتسبب في نفوق كائنات دقيقة تشكّل أساس السلسلة الغذائية البحرية.

ويؤدي ارتفاع نسب النيتروجين والفوسفات -والحديث لعبد ربه- إلى ازدهارٍ مفرط للطحالب، يستنزف الأكسجين من المياه، فيموت ما تبقى من حياةٍ تحت السطح. "والنتيجة تراجع حاد في الإنتاج السمكي، الذي لا يتجاوز اليوم 10% مما كان عليه قبل الحرب، مع تدني الجودة واحتمال عدم صلاحية بعض الكميات للاستهلاك البشري، في قطاعٍ يعاني أصلًا من انعدام الأمن الغذائي" يتابع.

""ارتفعت حالات الإسهال الحاد والتهاب المعدة والأمعاء، وتزايدت المخاوف من تفشي الكوليرا، كما سُجّلت زيادة في حالات التهاب الكبد الوبائي (A)، والتيفوئيد والدوسنتاريا".

ولا تقف الآثار عند حدود البيئة أو الاقتصاد، بل تمتد إلى الجسد البشري مباشرة، إذ يحذر الدكتور سعيد سعودي، المختص في الصحة العامة، من أن تلوث المياه تحوّل إلى خطرٍ وبائي، خاصة مع النزوح والعيش في خيام تفتقر إلى أدنى مقومات النظافة.

ويقول: "ارتفعت حالات الإسهال الحاد والتهاب المعدة والأمعاء، وتزايدت المخاوف من تفشي الكوليرا نتيجة اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، كما سُجّلت زيادة في حالات التهاب الكبد الوبائي (A)، والتيفوئيد والدوسنتاريا، إلى جانب أمراض جلدية وطفيليات مثل الجرب والالتهابات الفطرية".

الأطفال والحوامل في غزة هم الحلقة الأضعف أمام هذه المعضلة البيئية. الإسهال المتكرر يفضي إلى الجفاف وسوء التغذية وتأخر النمو، فيما يشكل ارتفاع النترات والمعادن الثقيلة خطرًا قد يصل إلى التسمم وتلف الدماغ واضطرابات عصبية دائمة.

يحتاج إعادة تأهيل هذا القطاع وفق تقديرات رسمية، إلى أكثر من 1.5 مليار دولار، في وقتٍ تبدو فيه الأولويات الإنسانية متراكمة بلا أفقٍ واضح.

أما الحوامل، فيواجهن مخاطر الإجهاض والولادة المبكرة والتشوهات الخَلقية، في بيئةٍ لا تتيح حتى الحد الأدنى من الرعاية الوقائية.

يحتاج إعادة تأهيل هذا القطاع وفق تقديرات رسمية، إلى أكثر من 1.5 مليار دولار، في وقتٍ تبدو فيه الأولويات الإنسانية متراكمة بلا أفقٍ واضح.

في المساء، حين يهبّ الهواء من جهة البحر، تُحكم أم سامر إغلاق فتحات الخيمة. لم تعد تخشى القصف وحده، بل تخشى نسيمًا قد يحمل مرضًا. في غزة، صار الماء نفسه سؤال نجاة، وصار البحر شاهدًا على حربٍ لا تكتفي بأخذ الأرواح، بل تلاحق ما يبقيها حيّة.

كاريكاتـــــير