شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م20:55 بتوقيت القدس

ذوو إعاقة بصرية نزحوا دون كتبٍ أو أدوات..

تحت ركام القصف رُدِم نورُ "برايل"!

08 فبراير 2026 - 08:01

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يحملوا معهم سوى هواتفهم، فالقصف لم يترك لهم وقتًا ليختاروا ما ينقذونه. ترك ذوو الإعاقة البصرية في بيوتهم ما تبقى من "النور" الذي يتبعونه: كتب "برايل"، والمصاحف، والأجهزة، وكل ما كان يربطهم بالعالم.

لم يكن نزوحهم مجرّد انتقال قسري من مكان إلى آخر، بل انقطاعًا حادًا عن الحياة ذاتها.

عبير اسلاخي (22 عامًا) كانت واحدة من هؤلاء. طالبة جامعية توقفت دراستها مع بداية حرب الإبادة على غزة، ليس لأنها فقدت مقعدها الدراسي فقط، بل لأنها فقدت وسيلة التعليم الوحيدة الممكنة.

"بغياب كتب وأدوات "برايل"، انقطعتُ عن الجامعة، عن أصدقائي، عن يومي المعتاد. تعرضتُ لتحطيمٍ نفسي، وشعرتُ بأن مستقبلي تلاشى".

بغياب كتب وأدوات "برايل"، انقطعت عبير عن الجامعة، عن أصدقائها، عن يومها المعتاد. تقول: "تعرضتُ لتحطيمٍ نفسيٍ شديد، أصبحتُ أكثر انطواءً، فقدتُ قدرتي على التواصل، وشعرتُ بأن مستقبلي تلاشى، وأن أحلامي لم تعد ممكنة".

تتابع بحرقة: "لم يعد الغد مساحة للتخطيط، بل فراغًا معتمًا لا ملامح له".

وفي رسالة وجّهتها إلى الجهات المسؤولة، كتبت عبير: "إن التعليم حق قانوني مشروع لذوي الإعاقة، ونحن أمانة في أعناقكم"، مطالبةً بتحمّل المسؤولية، وتكثيف الجهود لتوفير التعليم بكافة الإمكانيات والوسائل المناسبة، "حتى وإن لم تنتهِ الحرب".

وكتب "برايل" هي مواد قرائية مصممة خصيصًا للمكفوفين وضعاف البصر، تعتمد على نظام الكتابة "برايل" الذي يتكون من رموز ملموسة (ست نقاط)، تُقرأ بالأصابع بدلاً من العينين. تُمكّن هذه الكتب من الوصول إلى المعارف والتعليم، وتتنوع بين الكتب المطبوعة بنقاط بارزة والنسخ الإلكترونية.

فقدان المكفوفين لهذه الكتب تحت ركام القصف، والأزمة التي صنعها في العملية التعليمية الخاصة بهم، لا يتعلق بعبير وحدها، فنسمة الغولة، منسقة مركز خدمات الإعاقة والدمج في الجامعة الإسلامية بقطاع غزة، تعرف هذه الخسارة عن قرب.

"فقدان كتب وأدوات "برايل" ليس خسارة مادية عابرة، بل انقطاعٌ قاسٍ عن التعليم، والاستقلالية، والعمل. هذه الأدوات كانت جسرنا الوحيد للتواصل مع العالم، وغيابها يعني العزلة".

تقول لـ"نوى": "برايل ليست مجرد وسيلة قراءة، بل القلم والكتاب والنافذة التي نطلّ منها على العالم".

وتصف جوهر المأساة التي يعيشها الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية منذ السابع من أكتوبر 2023م: "حين اضطر مئات آلاف الغزيين إلى النزوح القسري، لم يكن ما فقدوه بيوتًا أو مقتنيات فحسب، بل أدوات الحياة ذاتها".

الغولة نفسها إحدى طالبات المركز سابقًا، وهو المركز الوحيد في قطاع غزة المؤهل لذوي الإعاقة البصرية بكل ما يلزم من معدات وأجهزة تتيح لهم استكمال دراستهم الجامعية.

ورغم إعاقتها البصرية، واصلت مسيرتها التعليمية حتى حصلت على درجة الدكتوراه، لكنها اليوم تتحدث عن مكفوفين خرجوا من منازلهم بلا استعداد، يحملون هواتفهم فقط، تاركين خلفهم المصاحف وكتب برايل، والأجهزة والتقنيات المساعدة التي كانت حصيلة سنوات طويلة من التعليم والعمل والتأهيل.

تضيف: "خلال النزوح المفاجئ وتحت القصف المباشر، لم يكن أمامنا سوى الخروج بهواتفنا فقط. فقدنا البيت، والأمان، والاستقرار، وفقدنا قبل ذلك النور".

وترى الغولة أن فقدان كتب وأدوات "برايل" لم يكن خسارة مادية عابرة، بل انقطاعًا قاسيًا عن التعليم، والثقافة، والاستقلالية، والعمل، وحتى عن ممارسة الحياة اليومية بكرامة. "بالنسبة للكفيف، تمثل هذه الكتب والأجهزة الجسر الوحيد للتواصل مع العالم، وغيابها يعني العزلة القسرية والاعتماد الكامل على الآخرين" تزيد.

وتصف واقع ذوي الإعاقة البصرية في قطاع غزة منذ بدء الحرب بأنه بالغ القسوة، حيث تتداخل الصدمات النفسية مع الانهيار الصحي والتعليمي والاجتماعي.

وتتابع: "لا خدمات صحية متاحة، ولا أدوية أو أجهزة طبية مساعدة، ولا قدرة على الوصول الآمن إلى أماكن العلاج، خاصة داخل الخيام ومراكز الإيواء التي تفتقر لأدنى معايير الخصوصية وإمكانية الحركة المستقلة"، مؤكدة أن النساء ذوات الإعاقة البصرية على وجه التحديد، وجدن أنفسهن أمام تحديات مضاعفة في بيئة نزوح لا تراعي احتياجاتهن الخاصة ولا توفّر لهن الحماية الكافية.

وتشير الغولة إلى أن العملية التعليمية تعطلت بالكامل بعد فقدان الكتب والأجهزة في المنازل والجامعات على حد سواء، ما أدى إلى توقف المسارات الأكاديمية، وانقطاع الطلبة عن دراستهم، وفقدان كثيرين لأعمالهم نتيجة عدم القدرة على الوصول إلى أماكن العمل البديلة.

وتصف خسارة المصحف الشريف بطريقة "برايل" خاصتها، بأكثر الجراح عمقًا، مضيفة: "لا يمثّل القرآن للكفيف/ـة كتابًا فحسب، بل مصدر طمأنينة وهوية وشفاء. كان النور الذي يضيء القلب قبل الطريق".

"هذا الفقدان لم يعطل العملية التعليمية فحسب، بل جرّد الطلبة من استقلاليتهم، وجعلهم يعتمدون كليًا على الآخرين في الوصول إلى المعلومات".

من جهته، يوضح مدير المركز بهاء سرحان، أن الحرب والنزوح أدّيا إلى فقدان الطلبة المكفوفين وذوي الإعاقة جميع أدواتهم التعليمية، سواء في منازلهم أو داخل الجامعة، بما في ذلك كتب ومصادر "برايل" المتخصصة.

ويؤكد أن هذا الفقدان لم يعطل العملية التعليمية فحسب، بل جرّد الطلبة من استقلاليتهم، وجعلهم يعتمدون كليًا على الآخرين في الوصول إلى المعلومات، ما حدّ من خصوصيتهم وقدرتهم على مواصلة الدراسة.

ويشير سرحان إلى أن المركز تكبّد خسائر جسيمة شملت طابعات "برايل"، والمكتبات التعليمية، والأجهزة والتقنيات المساعدة، الأمر الذي جعله عاجزًا عن تقديم أي خدمة تعليمية متكاملة، وهدّد استمرارية البرامج الأكاديمية المخصصة للطلبة المكفوفين.

وأضاف: "مع غياب البدائل، وعدم استقرار الكهرباء والإنترنت، باتت المحاضرات الإلكترونية حلًا محدودًا لا يلبي احتياجات الطلبة، خاصة في ظل نقص الأجهزة والمهارات التقنية الأساسية".

"إعادة تأهيل المركز، وتوفير طابعات وأدوات "برايل"، إلى جانب الدعم النفسي والتقني، احتياجات عاجلة لضمان حق الطلبة ذوي الإعاقة البصرية في التعليم الدامج".

ويحذّر من أن فقدان كتب ومصاحف "برايل" أدى إلى عزوف عدد من الطلبة عن التعليم، مؤكدًا أن إعادة تأهيل المركز، وتوفير طابعات وأدوات "برايل"، والأجهزة المساعدة، إلى جانب الدعم النفسي والتقني، تمثل احتياجات عاجلة لضمان حق الطلبة ذوي الإعاقة البصرية في التعليم الدامج.

ويختتم سرحان حديثه بدعوة المجتمع الدولي والمؤسسات التعليمية والإنسانية إلى حماية حق الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم أثناء النزاعات، وإدماج احتياجاتهم ضمن خطط الطوارئ، بما يضمن عدم حرمانهم من هذا الحق الأساسي رغم ظروف الحرب أو النزوح.

في ظل هذا الواقع، لا تبدو استعادة كتب "برايل" والأجهزة المساعدة ترفًا إنسانيًا، بل حقًا أساسيًا، وإحدى الخطوات الأولى لإعادة الكرامة والأمل للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في قطاع غزة، بعد أن سُلب منهم النور مرتين: مرة بفعل الإعاقة، ومرة أخرى بفعل الحرب.

كاريكاتـــــير