شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م15:28 بتوقيت القدس

بجوار "الخط الأصفر"..

على بُعد "رصاصة".. مزارعو غزّة يعيدون تعريف "البقاء"

01 فبراير 2026 - 09:41

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في مساحة لا تفصلها عن الموت سوى رصاصة طائشة، يقف المزارع الفلسطيني أحمد غبن (42 عامًا) في أرضه الواقعة على بُعد نحو 500 متر من الخط الأصفر ببلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة. هنا، حيث الخطر حاضر في كل لحظة، يحاول غبن أن يعيد للأرض نبضها، وأن ينتصر للحياة في مواجهة الخراب.

بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025م، قرر غبن العودة مع أبنائه إلى أرضهم وركام منزلهم. منذ ذلك اليوم، يعملون ساعات طويلة تحت الشمس، في محاولة شاقة لاستصلاح الأرض الزراعية البالغة مساحتها أربعة دونمات. وبجهدٍ مضنٍ، نجحوا في زراعة دونم واحد فقط بمحاصيل خضار متنوعة، من بينها الملفوف والبصل والنعناع والفجل.

"قرار العودة إلى الأرض بعد كل هذا الدمار كان فعل تحدٍّ، ورسالة بأننا باقون هنا رغم إطلاق النار المستمر من قبل الاحتلال".

يقول غبن لـ"نوى": "قرار العودة إلى الأرض بعد كل هذا الدمار كان فعل تحدٍّ، ورسالة بأننا باقون هنا رغم إطلاق النار المستمر من قبل الاحتلال".

ويضيف: "هذه الأرض ورثتُها عن أجدادي ووالدي، ومعها ورثت مهنة الزراعة. كبرتُ وأنا أتعلم حب الأرض، وعلّمت زوجتي وأولادي كيف يعتنون بها، حتى أصبحنا جميعًا مزارعين".

قبل حرب الإبادة، كانت أرض غبن مزروعة بمحصول الفراولة الذي تشتهر به بيت لاهيا، وكان يسوّق إنتاجه في أسواق الضفة الغربية، ويصدر جزءًا منه إلى الأردن وأوروبا، لكن المشهد تغيّر بالكامل؛ فالأرض جُرّفت، والمشاتل دُمّرت، وشبكات الري وآبار المياه والمولدات الكهربائية لم تسلم من القصف، لتتلاشى معظم مقومات الزراعة.

يروي غبن أنهم، عند عودتهم، حاولوا توفير بعض خراطيم المياه لري الأرض، واستخرجوا ما استطاعوا من أدوات زراعية من تحت الركام، لكن ذلك لم يكن كافيًا. "تكلفة الإنتاج اليوم مرتفعة جدًا، والمردود لا يغطيها، ومع ذلك نعمل على أمل أن تتحسن الأوضاع، وأن تعود الحياة إلى غزة وتُفتح المعابر"، يقول.

وفي مشهد لا يقل قسوة، تعمل المزارعة آمال أبو سكر (42 عامًا) مع أبنائها في أرضهم الزراعية شرقي مخيم البريج، وسط القطاع، على بُعدٍ لا يتجاوز 150 مترًا من الخط الأصفر.

تقول لـ"نوى": "الخط الأصفر التهم أكثر من نصف أرضنا، وما تبقى جُرّف خلال حرب الإبادة. رغم ذلك، وبعد استشهاد زوجي في الشهر الرابع للحرب، عدنا فور توقيع وقف إطلاق النار وبدأنا من جديد".

توضح أبو سكر أن تحديات كبيرة تعترض طريقهم، أبرزها الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، ونقص البذور والأشتال والأدوات الزراعية، إلى جانب صعوبة منافسة المنتج المحلي للبضائع المستوردة من داخل الخط الأخضر، والأردن، والضفة الغربية، في ظل كلفة إنتاج محلية مرتفعة للغاية.

"أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة تعرضت لدمار كامل بفعل حرب الإبادة، فيما أصبحت مساحات واسعة غير قابلة للوصول بسبب وقوعها ضمن مناطق السيطرة الإسرائيلية".

هذا الموسم، زرعت أبو سكر أرضها بمحصول الملفوف. تقول: "اخترناه لأنه من الأكلات الشتوية المحببة لدى الفلسطينيين، ولأنه يرتبط بذاكرتنا وتراثنا". غير أن العمل في الأرض لا يخلو من الخطر؛ إذ تتعرض هي وأبناؤها لإطلاق نار شبه يومي من الجيش الإسرائيلي.

وتشير إلى حادثة وقعت قبل نحو شهرين، حين أُصيب ابنها معاذ (21 عامًا) برصاصة في قدمه، ولا يزال يعاني من آثارها حتى اليوم.

وبحسب تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، فإن أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة تعرضت لدمار كامل بفعل حرب الإبادة الإسرائيلية، فيما أصبحت مساحات واسعة غير قابلة للوصول بسبب وقوعها ضمن مناطق السيطرة الإسرائيلية.

من جانبه، يقول محمد أبو عودة، الناطق باسم وزارة الزراعة بغزة لـ"نوى": "نحو 50% من الأراضي الزراعية في القطاع تقع خلف الخط الأصفر، منها نحو 30 ألف دونم على امتداد المناطق الحدودية الشرقية، و35 ألف دونم في بيت لاهيا وبيت حانون وشرقي جباليا، بينما تتوزع المساحة المتبقية في رفح جنوبًا"، مؤكدًا أن المساحة المزروعة حاليًا في قطاع غزة لا تتجاوز أربعة آلاف دونم فقط، بعد أن كانت تُقدّر بنحو 180 ألف دونم قبل حرب الإبادة، في رقم يعكس حجم الخسارة، ويختصر معركة المزارعين اليومية بين الأرض والخطر.

كاريكاتـــــير