شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م15:21 بتوقيت القدس

محرومون من بحرهم ومستهدفون بكل الأشكال

صيادو غزة في مرمى "القنص": "إنَّا مُغرَقون"

12 يناير 2026 - 13:11

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يواصل الاحتلال الإسرائيلي إحكام قبضته على بحر غزة، فيما تتكدّس العذابات في يوميات الصيادين، حتى بَعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي.
منذ 48 عاماً، يعمل خالد الهبيل في مهنة الصيد. امتلك مع أشقائه أربعةَ قوارب "جر"، وخمسةً أخرى من نوعٍ يُعرف بـ "شنشولة"، وأكثرَ من 20 قارباً صغيراً.

كل ذلك دمرّه وحرقه الاحتلال الإسرائيلي في أثناء حربه على غزة، لتتجاوز خسائر العائلة أزيدَ من ثلاثة ملايين دولار، لكن ثمَّة شيئاً حدث أصعب مما سبق.

"أعدموا أخي بلا رحمة عندما كان يصطاد بمجدافه الصغير. أطلقوا عليه عدة رصاصات حتى تأكدوا من استشهاده. تعمّدوا إعدامه حتى لا يدخل صيادٌ آخر البحر".

يقول الصياد الذي يناهز الستين من عمره: "لقد أعدموا أخي بلا رحمة عندما كان يصطاد بمجدافه الصغير".

 ويؤكد في حديثه مع "نوى": "أطلقوا عليه عدة رصاصات حتى تأكدوا من استشهاده. تعمّدوا إعدامه حتى لا يدخل صيادٌ آخر البحر".

ووفقاً لكلامه، كانت الزوارق الحربية تبعد 30 متراً عن قارب شقيقه، الذي انتهى به الأمر جثةً ملقاةً على شاطئ بحر غزة.

خاطرَ أخوه بحياته ليعيل عائلةً مكونةً من 13 فرداً، فيما يتساءل بقلب مقهور: "شو ذنبه يُعدم بدم بادر؟".

ولم يتوقف خالد الهبيل برفقة أبنائه الثلاثة: إبراهيم، ويوسف، ويحيى، عن ممارسة مهنة الصيد، رغم الأحداث الدامية في الحرب؛ بما في ذلك فترة نزوحهم إلى جنوب القطاع.

بدت عزة النفس واضحةً في قوله: "لم نأبه للمخاطر من أجل أن نطعم أُسرنا، فعلى مدار عامين لم يساعدنا أحدنا، كان لِزاماً علينا أن نسعى لتحصيل رزقنا، حاملين أرواحنا على أكفنا".

ويصف حال الصيادين في القطاع: "نحن أمواتٌ على قيد الحياة. جميع القوارب والمراكب لم تسلم من الحرق والتدمير، ولا يدخر الاحتلال جهداً في سبيل منعنا من الصيد".

تتعاقب الابتلاءات على الهبيل. ففي التاسع والعشرين من أكتوبر الماضي، باغتت الزوارق الإسرائيلية القارب الذي يحمل أولاده الثلاثة، عندما كانوا يصطادون في بحر خان يونس، جنوب قطاع غزة. أمرهم جنود الاحتلال بخلع ملابسهم واقتادوهم إلى جهة مجهولة".
أحد الصيادين أخبر الأبَ أن خطباً ما أصاب أبنائه، ولم يخطر في باله قبلها أنهم وقعوا في الأسر، كونه يعرف أن من يدخل البحر قد لا يعود سالماً، لكنه ما أن علمَ بخبر اعتقالهم، حمدَ الله وسجدَ سجدة شكر.

كل ما عرفه الهبيل أن الشبابَ الثلاثةَ يقبعون في "سدي تيمان"، المعتقل الذي يرتكب فيه الاحتلال أبشعَ الجرائم.

ومنذ اعتقالهم، توقف الأب عن الصيد. ويبث شكواه هنا: "لقد فقدتُ سندي، هم من ينفقون علينا. أصبحنا الآن تحت خط الفقر، ونعيش على التكيات الخيرية".

بارقة أملٍ بدأت تلوح أخيراً، فقبل خمسة أيام من نشر هذا التقرير أُفرج عن ابنه يوسف، منتظراً المصير ذاته لولديه الآخريْن.

تظاهرَ بالموت

معاناةٌ أخرى، يعيشها الصياد رائد النجار، أهونُ تفاصيلها تدمير مراكبه كما رفاقه. إذ تسبّبت الزوارق الإسرائيلية بإصابته بجروح بالغة الخطورة في صدره ويده، وكاد يفارق الحياة.
يعمل الشاب في مهنة الصيد منذ 18 عاماً، ومنها تعتاش أسرته المكونة من 8 أفراد.
كان بحوزته قاربا "مجداف"، وقاربُ "محرك"، وغرفة في ميناء غزة البحري، وضعَ داخلها المعدات ولوازم الصيد. يقول بحسرة: "كل ذلك، دمره الاحتلال إبّان الحرب، وبالتالي فقدت مصدر رزقي الوحيد".
اُضطر النجار لصنع قاربٍ من فلّين الثلاجات، حتى يستمر في حرفةٍ ورثها عن أبيه وأجداده، لعله يوفر قوت يوم أطفاله، لكن الاحتلال شوكةٌ في الحلق.
وقد استهدفت زوارق الاحتلال قاربَه، ثم أرسل جنوده طائرةً مسيّرة "كواد كابتر"، ومكثت ما يقارب الساعة تحوم فوق القارب الذي امتلأ بدم رائد.

"تظاهرت بالموت، حتى غادرت "كواد كابتر" المكان، ثم أرسل الله لي أحد الصيادين ونقلني للمستشفى".

ولا يصدق أنه نجا، يحكي لنا: "تظاهرت بالموت، حتى غادرت "كواد كابتر" المكان، ثم أرسل الله لي أحد الصيادين ونقلني للمستشفى".

منذ لحظة إصابته، توقف النجار عن العمل، فلا هو يملك قاربًا يعتاش منه، ولا يُسمح له بالصيد بحرّية. معبّراً عن قلقه: "منذ ذلك الوقت، وأنا أسأل نفسي وأفكر "إذا ما مِتُّ كيف سيعيش أطفالي؟".

وبطبيعة الحال، يمر بوضعٍ اقتصادي مُزرٍ بعد فقدان مصدر رزقه، فلا خيارات متاحة. راثياً أياماً يتمنى لو تعود: " قبل الحرب، كان البحر متاحاً للصيادين على بعد مسافة 12 ميلاً، جميعنا كنا نصطاد بوفرة، لكن الآن صِفر اليدين".

قطاع الصيد انهار تماماً

وحسب حديث زكريا بكر نقيب الصيادين في غزة، اُستشهد 230 صيادًا منذ بدء الحرب على غزة، منهم 65 في أثناء محاولتهم الصيد، فيما أصيب 30.

ويندد بانتهاكات الاحتلال الذي يلاحق الصيادين، على حد سواء، لينتهي بهم الأمر إلى القتل أو الاعتقال أو تفجير القارب. فمنذ إعلان وقف إطلاق النار وحتى كتابة هذا التقرير، اُعتقل 28 آخرون في أثناء عملهم، ناهيك عن 60 صياداً يقبعون في سجون الاحتلال، تبعاً لحديثه.

ويؤكد بكر توقف قطاع الصيد كاملاً، مردفاً بقوله لـ "نوى": "منذ اندلاع الحرب يمنع الاحتلال الصيادين من ممارسة مهنتهم، أو حتى السباحة".

وفيما يخص خسائر قطاع الصيد، يذكر أن الاحتلال دمَّر نحو 95 في المئة من إجمالي المراكب والقوارب في قطاع غزة.

وأضاف: "التدمير شمل قطاع الصيد بأسره، كغرف مخازن الصيادين بمعداتها كاملةً، ويكفي أن ميناء غزة بعد قصفه انقسم نصفين، بحفرةٍ طولها 20 متراً".

علماً أن الخسائر المباشرة قفزت عن 120 مليون دولار، فيما راوحت الخسائر غير المباشرة بين 7 و8 ملايين دولار، يقول بكر.

وطالب نقيب الصيادين بفتح البحر للعمل بحرّية وكرامة، والسماح بدخول معدات ولوازم الصيد، إلى جانب تعويضهم عما فقدوه وقت الحرب.

كاريكاتـــــير