شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 22 ابريل 2026م19:07 بتوقيت القدس

شظية أفقدته الأولى وتركت الثانية تُحتضر..

سميح سعود.. ملاكمٌ يطارد "حلمه" بعينٍ واحدة!

11 يناير 2026 - 09:30
الملاكم سميح سعود
الملاكم سميح سعود

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بعينٍ واحدة، يصرّ الملاكم الشاب سميح سعود على مواصلة تدريباته داخل صالة رياضية صغيرة في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، بعدما فقد البصر في عينه الأخرى، إثر إصابته بشظية صاروخ إسرائيلي أطلقته طائرة حربية على مركز إيواء داخل مدرسة كان ينزح فيها مع أسرته في مخيم النصيرات.

خلّفت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة أثرًا بالغًا في حياة سعود (18 عامًا)، أثرًا يقول إنه لن تمحوه السنين بسهولة، ولن يغادر ذاكرته ما عاشه ما دام حيًّا.

يروي لـ"نوى" كيف سرق صاروخ إسرائيلي غادر النور من عينه، فيما بقيت الأخرى مهددة بالفقدان التام، بسبب عدم تمكنه من السفر لتلقي العلاج في الخارج.

اضطر سعود مع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، للنزوح رفقة أسرته المكوّنة من تسعة أفراد من منزلهم شرقي مخيم البريج، نحو مخيم النصيرات القريب، حيث لجؤوا إلى مدرسة تحوّلت إلى مركز إيواء للنازحين.

"الشظية استقرت داخل عيني. لم تكن تتوفر الإمكانيات في المستشفى لإزالتها، حيث خضعت لعملية جراحية لوقف النزيف فقط".

في يوم يصفه بأنه الأسوأ في حياته، تعرّضت المدرسة لغارة جوية إسرائيلية بعدة صواريخ، تناثرت شظاياها في أرجاء المكان، وأصابت إحداها عينه مباشرة. منذ تلك اللحظة، بدأت حياة الشاب بالتراجع، وفقد البصر كليًا في عينه المصابة.

يقول: "نُقلت إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، وأخبرني الأطباء أن الشظية استقرت داخل عيني، ولا تتوفر لديهم الإمكانيات للتعامل معها. جرى تحويلي لاحقًا إلى مستشفى غزة الأوروبي، حيث خضعت لعملية جراحية لوقف النزيف فقط، دون إزالة الشظية، لعدم توفر الإمكانيات هناك أيضًا".

حصل سعود لاحقًا على تحويلة طبية للعلاج في الخارج، غير أن اجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي لمدينة رفح واحتلال معبر رفح في السادس من مايو/أيار 2024م، شكّل عقبة رئيسةً أمام سفره، وحال دون تلقيه العلاج المناسب، في ظل انهيار المنظومة الصحية في القطاع.

في البداية، كان لا يزال يرى بعينه المصابة بنسبة ضئيلة، غير أن هذا البصر تلاشى تدريجيًا مع مرور الوقت وغياب العلاج. يتحدث بألم عن أثر ذلك على حياته الشخصية والرياضية، قائلًا: "أشعر بألم شديد في العين خاصة في أجواء البرد والمطر والرياح"، واصفًا حياته بعد الإصابة بأنها تحولت إلى جحيم.

رياضيًا، يشعر سميح بعجزٍ لم يكن يعرفه من قبل، عن القيام بأشياء كان يعدُّها بسيطة، سواء في تفاصيل حياته اليومية أو داخل الحلبة. يقول: "تراجع مستواي كثيرًا، وبعدما كنت بطلًا لوزنين في البطولات المحلية، وألعب عشر جولات متواصلة بلياقة عالية، لم أعد اليوم قادرًا على لعب نصف هذا العدد (..) أحيانًا أتعب من جولة أو جولتين فقط وأتوقف.. لقد فقدت قدرتي على المنافسة تمامًا".

وكما سرقت الحرب عينه، فقد خطفت أيضًا عمّه ومدربه الشهيد عامر سعود، الذي يصفه بأنه لم يكن مجرد عم، بل أخًا وصديقًا ورفيق درب، ومحفزًا دائمًا له على التقدّم وتحقيق الإنجازات.

بدأ سميح ممارسة الملاكمة منذ أن كان في الثانية عشرة من عمره، وشارك في بطولات محلية عديدة، صُنّف خلالها على وزني 54 و57 كيلوغرامًا، وحقق المرتبة الأولى، ونال جائزة أفضل لاعب على مستوى قطاع غزة.

يستعيد بعضًا من محطاته الرياضية بالقول: "في عام 2019م حصلت على المرتبة الأولى في بطولة وزن 54 كيلوغرامًا، وفي عام 2022م تم تصنيفي على وزن 57 كيلوغرامًا، واختير اسمي لتمثيل فلسطين في بطولةٍ أُقيمت في الأردن، ورغم أنني لم أحقق مركزًا متقدمًا، إلا أنني اكتسبت خبرة كبيرة، كونها أول مشاركة لي خارج القطاع".

ويضيف: "في عام 2023م، كان من المفترض أن أشارك في بطولة أُقيمت في كازاخستان، لكن اندلاع الحرب حال دون سفري، ومع استمرار إغلاق المعبر، ضاعت عليّ فرص أخرى للمشاركة في بطولات خارجية".

برغم الإصابة، حرص سعود على الحفاظ على لياقته البدنية. تدرب في خيمة، علّق في سقفها كيسًا مملوءًا بالقماش والرمل بدل "كيس الملاكمة"، وتابع تدريباته منفردًا.

ورغم صغر سنه، مرّ سميح بتجارب قاسية تركت في جسده ونفسه الكثير من الألم، لكنها لم تدفعه إلى الاستسلام أو رفع الراية البيضاء. يؤكد بإصرار: "نحن شعب لا ننكسر، ونعشق التحدي، وسأواصل ولن أستسلم".

وبرغم الإصابة، وتدمير الاحتلال للنوادي والصالات الرياضية، حرص سعود على الحفاظ على لياقته البدنية. تدرب في خيمة، علّق في سقفها كيسًا مملوءًا بالقماش والرمل بدل "كيس الملاكمة"، ثم واصل تدريباته منفردًا في صالة كمال أجسام غير مخصصة للملاكمة في مخيم النصيرات، إلى أن أصبح يتدرب حاليًا في نادٍ افتُتح حديثًا في بلدة الزوايدة.

ليس سهلًا أن تُمارس الملاكمة بعين واحدة -يضيف سميح- غير أنه يُظهر عزيمة واضحة، وإصرار على عدم الاستسلام لليأس.

يختتم حديثه بالقول: "لا يزال لدي حلم أتمسك به.. أريد أن أسافر للعلاج، وأن أستعيد عيني، وأستكمل تعليمي، وأواصل مشواري الرياضي في الملاكمة، وأمثل وطني، وأرفع علم فلسطين في المحافل الدولية".

كاريكاتـــــير