شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 يناير 2026م04:29 بتوقيت القدس

غزة 2025م..

سيناريو مُصغّر لـ"نهاية العالم" تحت وطأة التلوث والركام!

04 يناير 2026 - 17:55

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على طول شارع صلاح الدين، حيث يمتدُّ الوجعُ شرقي الزوايدة وسط قطاع غزة، لا تشرقُ الشمسُ كما كانت تفعلُ قبل عامين؛ بل تبزغُ من خلفِ ستارةٍ كثيفةٍ من الدخان الأسود القاتم.

إنها غيمةٌ ثقيلة، مخضبةٌ برائحة البلاستيك المحترق، تزحفُ ببطءٍ لتمتصَّ ما تبقى من أكسجين في صدور المتعبين. هناك، تحولت مكبات النفايات العشوائية إلى معامل بدائية لإنتاج "وقود الضرورة"، حيث تُحرق الأرواحُ والمواد البلاستيكية معًا في سبيلِ استمرارِ حياةٍ لم تعد تشبه الحياة في شيء. وبجوار هذه الكتل القاتمة، تتمددُ خيام النازحين كأكوامٍ من القماش المهترئ، في مشهدٍ سريالي يختلطُ فيه معنى الصمود بمعنى الفناء.

تجلس "نهلة يوسف" (42 عامًا) داخل خيمتها المنصوبة على رصيفِ النسيان، تلتحفُ الصمتَ وتراقبُ جبال المخلفات التي صارت جيرانها الجدد. نهلة، التي نزحت من شمال القطاع هربًا من الموت الصريح، تجدُ نفسها اليوم تواجه موتًا مؤجلًا يزحفُ نحو رئات أطفالها.

تقول بصوتٍ يملؤه السعال الحاد: "نحن لا نعيش بلا بيوتٍ فحسب، بل نعيشُ في قلبِ وباءٍ يتربص بنا مع كل شهيق. هربنا من جحيم القصف، لنستقرَّ هنا بجوار الموت البطيء. إن لم تقتلنا الشظايا، فستفعلُ هذه الأوبئة التي تسكنُ هواءنا وماءنا".

نهلة، التي كانت تعاني قبل الحرب من حساسيةٍ طفيفة، باتت اليوم رهينة الربو المزمن، تزور المراكز الصحية المتهالكة بحثًا عن "بَخّة" أوكسجين، بينما يصارعُ طفلُها ذو السنوات السبع حساسيةً جلديةً تأكلُ جسده الصغير، وصداعاً لا يفارقُ رؤوس أطفالها نتيجة استنشاق الدخان السام الذي يغلفُ خيمتهم ككفنٍ أسود.

إن قصة "أم محمد" ليست صرخةً في وادٍ، بل هي صدىً لواقعِ آلاف العائلات التي أُجبرت على السكن بجوار "القنابل الموقوتة".

الخبير البيئي سعيد العكلوك، مسؤول الرقابة على صحة البيئة في وزارة الصحة بغزة، يرسمُ صورةً أكثر قتامة؛ فقطاع غزة الذي كان ينبضُ بالحياة، ينتجُ اليوم 1300 طن من النفايات الصلبة يوميًا، تُجمع في مكباتٍ عشوائية داخل الأحياء السكنية المكتظة. يمنع الاحتلالُ الطواقمَ البلدية من الوصول إلى المكبات الرئيسية منذ عامين، مما حوّل أماكن مثل "سوق فراس" إلى بؤرٍ للأمراض المسرطنة.

يشير العكلوك بمرارة إلى أن الحرب لم تقتل البشر فحسب، بل غيرت في فطرة الطبيعة؛ فالكلاب الضالة، التي اعتادت التغذي على جثامين الشهداء التي منع الاحتلال انتشالها، باتت اليوم تتربص بالأطفال قرب مكبات النفايات، محولةً الإنسان إلى طريدةٍ في أرضه.

ومع تلوث الهواء، تنفجرُ مأساةُ المياه لتكمل طوق الحصار. على الجانب الآخر من القطاع، في دير البلح، تقف "فاتن حلس" في الثلاثينيات من عمرها، تحمل أوعيةً بلاستيكية فارغة وكأنها تحمل آمالها المتبقية. تخوض فاتن معركةً يومية لا تعرفُ الهدنة؛ تقطعُ المسافات الطويلة مع بناتها لتعبئة جالوناتٍ قد تعودُ بها فارغة.

قول فاتن والأسى يسكن عينيها: "نضطر لاستخدام مياه البحر لغسل أوانينا وملابسنا، وفي الأيام التي يمنُّ فيها الطقس علينا بقليلٍ من الدفء، يستحمُّ أطفالي في البحر الملوث بمياه الصرف الصحي. لقد أُصيب صغاري بنزلاتٍ معوية وأمراضٍ جلدية، لكنَّ العطشَ مرّ، والحاجةَ كافرة".

 إنها المفارقة الموجعة؛ أن يضطر الغزيُّ للاختيار بين رشفةِ ماءٍ ترويه، أو استحمامٍ يغسلُ عنه غبار النزوح، فالجمعُ بين الأمرين صار ضرباً من المحال.

أرقامُ الخبير العكلوك توثقُ هذا السقوط المروع؛ فقد انخفضت حصة الفرد من المياه إلى 5 لترات فقط يوميًا، بعد تدمير 85% من الشبكات واستهداف 220 بئراً من أصل 320. ارتفعت نسبة التلوث الميكروبي إلى 45% نتيجة اختلاط المياه العادمة بمياه الشرب، في ظل منع دخول الكلور ومواد التعقيم، مما أعاد أشباح أمراضٍ ظن العالم أنها انقرضت، كشلل الأطفال، مع نذرٍ مخيفة بتفشي الكوليرا. ولا يتوقف الاختناق عند الهواء والماء، فغزةُ اليوم مدفونةٌ تحت جبالٍ من الركام لا يُعرف لها آخر.

بدوره يقدر محمد المغير، مدير الإمدادات في الدفاع المدني، حجم الركام بما بين 60 و65 مليون طن. هذه الجبال الصامتة ليست مجرد حجارة، بل هي هياكلُ هشة تهدد بالانهيار فوق رؤوس المارة مع كل نسمة ريح أو زخة مطر. "والأخطر من ذلك، هو ما يحمله هذا الركام في أحشائه؛ معادن ثقيلة، مركبات كيميائية من البراميل المتفجرة، ومواد سامة تتسربُ ببطء إلى جوف الأرض وإلى خزانات المياه الجوفية".

ويحذر المغير من غياب المختبرات القادرة على فحص هذه السموم، ومن منع الاحتلال للمعدات الثقيلة التي قد تزيح هذا الكابوس الجاثم فوق صدر المدينة.

وصفت الأمم المتحدة ما يحدث في غزة بأنه "تدمير بيئي غير مسبوق". بعد عامين من الحرب، لا تواجه غزة الرصاص وحده؛ بل تواجه تربةً تموت، وهواءً يحترق، وماءً مسمومًا، وركامًا يخنقُ الأنفاس.

لقد وصفت الأمم المتحدة في تقاريرها ما يحدث في غزة بأنه "تدمير بيئي غير مسبوق"، أضرارٌ قد لا تجدُ طريقاً للإصلاح لعقودٍ قادمة. غزة اليوم، وبعد عامين من الحرب، لا تواجه الرصاص وحده؛ بل تواجه تربةً تموت، وهواءً يحترق، وماءً مسمومًا، وركامًا يخنقُ الأنفاس.

إنها صرخةُ شعبٍ يرفضُ أن يموت صمتًا تحت وطأة كارثةٍ بيئيةٍ صُنعت بأيدٍ لا تعرفُ الرحمة، وينتظرُ عالماً قد يلتفت يوماً ليرى أن الحياة في غزة باتت تُستحقُّ ليس لأنها جميلة، بل لأنها معجزةٌ ترفضُ الانكسار.

كاريكاتـــــير