شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 يناير 2026م04:30 بتوقيت القدس

2025م.. عام "فرض الوقائع": غزة تنزف والضفة تُلتَهم!

22 ديسمبر 2025 - 17:05

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في الوقت الذي كانت فيه آلة القتل الإسرائيلية تحصد الأرواح في قطاع غزة بلا توقف، كانت آلة أخرى تعمل بهدوء أشد فتكًا في الضفة الغربية وشرقي القدس، تلتهم الأرض وتعيد رسم الجغرافيا على مهل، لكن بثبات.

حرب على البشر في غزة، وحرب على المكان في الضفة، تتقدمان معًا بوصفهما وجهين لسياسة إسرائيلية واحدة، تستثمر الدم والنار لفرض وقائع لا رجعة عنها. 

في قطاع غزة، لم يتوقف القتل ولا التدمير، وبقي الاحتلال ممسكًا بزمام السيطرة العسكرية، محتلًا فعليًا ما يقارب 60% من المساحة الإجمالية للقطاع، البالغة 360 كيلومترًا مربعًا، رغم التوصل إلى اتفاقين لوقف إطلاق النار خلال عام 2025: الأول دخل حيّز التنفيذ في التاسع عشر من يناير/كانون الثاني قبل أن ينهار مع استئناف الحرب في الثامن عشر من مارس/آذار، أما الاتفاق الثاني، الذي بدأ سريانه في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فلا يزال هشًا، تتآكله الخروقات الإسرائيلية المتكررة.

"الخط الأصفر"، تحوّل إلى مصيدة مفتوحة للقنص والقتل، حيث بات الاقتراب من الأرض أو محاولة العودة إلى المنزل مخاطرة قد تنتهي بالموت.

فرض الاحتلال تقسيمًا قسريًا جديدًا للقطاع، عازلًا مناطق سيطرته العسكرية شرقًا وشمالًا عن المنطقة الغربية المكتظة بالنازحين الذين دُمّرت منازلهم. ما يسميه الاحتلال "الخط الأصفر"، تحوّل إلى مصيدة مفتوحة للقنص والقتل، حيث بات الاقتراب من الأرض أو محاولة العودة إلى المنزل مخاطرة قد تنتهي بالموت.

وبحسب الإحصاءات الرسمية، استشهد أكثر من 400 فلسطيني وأصيب ما يزيد على ألف آخرين منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار وحتى لحظة كتابة هذا التقرير، إلى جانب نسف عدد غير محدد من المنازل.

وبينما ينشغل العالم بتفاصيل الميدان في غزة وبمباحثات الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، يسرّع الاحتلال خطواته في الضفة الغربية، مستغلًا هذا الانشغال لتمرير أكبر موجة استيطان وتهويد منذ سنوات، خصوصًا في القدس المحتلة، حيث تتكثف السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الطابع الديمغرافي والجغرافي للمدينة.

تقرير رسمي حديث صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان كشف عن دراسة 355 مخططًا هيكليًا استيطانيًا في الضفة الغربية بما فيها القدس خلال عامي حرب الإبادة، بالتوازي مع هدم 3679 منشأة فلسطينية.

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، نفذت قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين 38 ألفًا و359 اعتداءً طالت الأرض والممتلكات وحياة الفلسطينيين، في تصعيد غير مسبوق.

ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، نفذت قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين 38 ألفًا و359 اعتداءً طالت الأرض والممتلكات وحياة الفلسطينيين، في تصعيد غير مسبوق.

وتواصل دولة الاحتلال توسيع مستوطنة "حريش"، المقامة قرب حدود الرابع من حزيران شمالي الضفة، في مسعى واضح لطمس الخط الأخضر وإلغاء أي فاصل جغرافي أو سياسي بين أراضي عام 1948م، والمناطق المحتلة عام 1967م.

ووفق التقرير، درست الجهات التخطيطية الإسرائيلية بناء 37 ألفًا و415 وحدة استيطانية على مساحة تزيد على 38 ألف دونم، صودق منها على 18 ألفًا و801 وحدة، فيما أُودع 18 ألفًا و614 مخططًا إضافيًا.

وتصدرت محافظة القدس هذه المخططات بـ(148) مخططًا هيكليًا، تلتها بيت لحم بـ51، ثم سلفيت بـ48، ورام الله بـ38، فقلقيلية وبقية المحافظات بنسب أقل.

كما اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات بتسوية أوضاع 11 بؤرة استيطانية، أضيفت إلى قائمة تضم 68 بؤرة زراعية مُنحت بنى تحتية كاملة؛ لتكريس وجودها على الأراضي الفلسطينية.

وأقامت دولة الاحتلال 114 بؤرة استيطانية جديدة، في رقم وصفه رئيس الهيئة مؤيد شعبان بأنه "غير مسبوق في سياسة البلطجة وفرض الوقائع على الأرض"، مشيرًا إلى تصاعد الحواجز العسكرية التي بلغ عددها 916 حاجزًا وعائقًا، من بينها أكثر من 243 بوابة حديدية نُصبت بعد اندلاع الحرب على غزة، لتقطيع أوصال الضفة وتشديد الخناق على تنقل الفلسطينيين.

غوتيريش: "وتيرة التوسع الاستيطاني بلغت في عام 2025م أعلى مستوياتها منذ بدء الرصد المنهجي عام 2017م، مع الموافقة أو التخطيط أو طرح مناقصات لنحو 47 ألفًا و390 وحدة استيطانية".

وتعزز أرقام الأمم المتحدة هذه المعطيات، إذ أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن وتيرة التوسع الاستيطاني بلغت في عام 2025م أعلى مستوياتها منذ بدء الرصد المنهجي عام 2017م، مع الموافقة أو التخطيط أو طرح مناقصات لنحو 47 ألفًا و390 وحدة استيطانية، مقارنة بـ26 ألفًا و170 وحدة في عام 2024م.

ويشمل هذا التوسع شرقي القدس، ويُعد، بحسب الأمم المتحدة، عاملًا رئيسًا في تأجيج التوترات وحرمان الفلسطينيين من أراضيهم، وتهديد إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ومترابطة.

ووفق غوتيريش، يعيش أكثر من 500 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية، باستثناء شرقي القدس، وسط نحو ثلاثة ملايين فلسطيني.

تركزت عمليات الهدم في القدس ثم الخليل وطولكرم، بينما استولت سلطات الاحتلال على 55 ألف دونم، وأقامت 25 منطقة عازلة، وأشعل المستوطنون 767 حريقًا أتلفت عشرات آلاف الأشجار

لغة الأرقام تكشف أيضًا عن تصاعد عنف المستوطنين، حيث طال الهدم 3679 منشأة، بينها 1288 منزلًا مأهولًا، و244 غير مأهول، و962 منشأة زراعية، إضافة إلى توزيع 1667 إخطار هدم. وتركزت عمليات الهدم في القدس ثم الخليل وطولكرم، بينما استولت سلطات الاحتلال على 55 ألف دونم، وأقامت 25 منطقة عازلة، وأشعل المستوطنون 767 حريقًا أتلفت عشرات آلاف الأشجار، معظمها زيتون.

ويرى شعبان أن أخطر أشكال هذا العنف يتمثل في خلق بيئة قسرية طاردة، أدت إلى تهجير 33 تجمعًا بدويًا يضم 455 عائلة، أي ما يقارب 2853 فردًا، في سياسة عقاب جماعي واضحة.

ويؤكد أن الاحتلال استغل الحرب على غزة لإعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية، مسلّمًا المستوطنين والمنظمات الاستيطانية مفاصل السيطرة على الأرض، مدعومين بحزمة غير مسبوقة من القوانين التي شرعنها الكنيست. وقد أسفرت هذه السياسات عن استشهاد 32 فلسطينيًا برصاص المستوطنين في الضفة خلال الحرب، 12 منهم منذ مطلع عام 2025.

ويعتمد الاحتلال على شق الطرق الجديدة كأداة لطرد الفلسطينيين، حيث تتحول البؤر غير القانونية لاحقًا إلى مستوطنات دائمة، ما يدفع السكان إلى ترك أراضيهم تدريجيًا. وتشير تقارير فلسطينية إلى أن الوجود الفلسطيني في الضفة بات مهددًا على نحو غير مسبوق، وأن التغييرات الجارية قد لا تكون قابلة للتراجع.

قرية المغير شمالي القدس مثال حي على ذلك. كانت يومًا تجمعًا نابضًا بالحياة، قبل أن تُحاصر بالمستوطنات ويُدفع سكانها إلى مساحات أضيق، معزولين عن أراضيهم وسبل عيشهم. وليست المغير استثناءً، بل واحدة من عشرات القرى التي تعرضت لهجمات متصاعدة منذ عام 2022، انتهت بتهجير جزئي أو كامل لسكانها.

وفي قرية شرق المعرجات، أُجبر السكان البدو على الفرار بعد هجوم عنيف نفذه مستوطنون بمساندة جنود، تاركين خلفهم خيامًا ممزقة وحياة معلقة على الهامش.

وتؤكد الباحثة السياسية نيفين علاونة أن الاستيطان ليس سياسة توسعية عابرة، بل أداة مركزية في مشروع صهيوني منظم يهدف إلى تفكيك الوجود الفلسطيني وفرض واقع ديمغرافي وجغرافي يجعل من الضفة فضاءً إسرائيليًا بحكم الأمر الواقع. فيما يشير الخبير في شؤون القدس جمال عمرو إلى أن الحرب على غزة وفّرت "الفرصة المثالية" لتسريع هذا المشروع، في ظل غياب أي رادع دولي.

هكذا، يمضي عام 2025 كحصاد ثقيل: غزة تنزف تحت القصف، والضفة تُستنزف تحت الجرافات، فيما تتقدم سياسة الاحتلال بثبات، واضعة الفلسطينيين أمام واقع يزداد قسوة، وأرضٍ تتآكل يومًا بعد يوم.

كاريكاتـــــير