الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تعود الطفلة سلمى جابر (15 عامًا) بذاكرتها إلى ما قبل عام فقط، حين لم تكن تتخيل أن حياتها ستنقلب رأسًا على عقب. في شباط/فبراير 2025م، اضطرت سلمى للنزوح مع والديها من مخيم نور شمس شرقي مدينة طولكرم إلى قرية "أكتابا"، وتحديدًا إلى منطقة المسقوفة شرقي المدينة، وهي منطقة بعيدة عن المخيم، وعن القرية، وعن مدرستها، بل وعن أقرب مدرسة يمكن أن تصل إليها.
تقول سلمى: "منذ أكثر من سنتين لم يكن حال المخيم جيدًا بسبب الاقتحامات المتكررة والقتل وهدم المنازل، وهذا انعكس على واقع التعليم بشكل عام، لكن ما زاد الوضع سوءًا هذه المرة هو نزوحنا وتفريغ المخيم من أهله".
بعد أن كانت سلمى، وهي وحيدة والديها ومدللتهما، تنعم بغرفة خاصة وبمدرسة شبه منتظمة الدوام، أصبحت اليوم بلا مأوى حقيقي، تعيش في منزل صغير سيئ الحال. تتابع قائلة: "كل الوضع مختلف هنا، لا دوام منتظم؛ مرة صباحي ومرة مسائي، وحزننا على منازلنا وعلى المخيم يطغى على كل شيء".
"كل الوضع مختلف هنا، لا دوام منتظم؛ مرة صباحي ومرة مسائي، وحزننا على منازلنا وعلى المخيم يطغى على كل شيء".
وتضيف بقهر: "في عز الامتحانات الفصلية، نشر الاحتلال قائمة البيوت التي يريد هدمها، وكان كل همّنا أن نعرف ما إذا كان بيتنا ضمن ضمن القائمة أو لا"، مردفةً بينما تمسح دموعها المنهمرة: "كثير من صحباتي انقهروا على بيوتهن وما درسوا. بيتنا ما انهدم، بس خرب كل إشي فيه، وهلا صار مكان للفئران والقوارض".
ليست قصة سلمى استثناءً، بل واحدة من آلاف القصص المشابهة. فحوالي أربعة آلاف طالب وطالبة من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس وجدوا أنفسهم بلا مأوى وبلا مدارس، نتيجة عدوان الاحتلال المستمر على المخيمات شمالي الضفة الغربية، ونزوح أكثر من 32 ألف فلسطيني. ووفق إحصائية حصلت عليها "نوى" من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا". أُغلقت عشر مدارس في المخيمات الثلاث إغلاقًا كاملًا منذ شباط/فبراير 2025م وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، فيما جرى توزيع الطلبة على المدارس الحكومية في أماكن نزوحهم تحت مسمى "طالب زائر".

يصف صادق الخضور، الناطق باسم وزارة التربية والتعليم، هذا العام بأنه من أسوأ الأعوام التي مرّت على طلبة الضفة الغربية، ولا سيما في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس. ويشير إلى أن الاحتلال قتل خلال هذا العام أكثر من 60 طالبًا وطالبة، واعتقل ما لا يقل عن 200 طالب، خلال اقتحاماته التي طالت غالبية مدن ومناطق ومخيمات الضفة الغربية.
ومنذ بدء الإبادة في قطاع غزة، ينتهج الاحتلال سياسة "إبادة صامتة" في الضفة الغربية، يتصل جزء كبير منها بالتعليم. إذ تواجه 85 مدرسة في الضفة الغربية والقدس أوامر هدم أو وقف بناء لا تزال قيد التنفيذ، من بينها 55 مدرسة مهددة بالهدم الكلي، و30 مدرسة مهددة بهدم أجزاء أو مرافق تابعة لها.
ويهدد ذلك بشكل مباشر تعليم أكثر من 13 ألف طالب وطالبة، يشرف على تعليمهم نحو 1089 معلمًا ومعلمة. كما تتعرض مدارس عديدة في التجمعات الواقعة في المنطقة (ج) لمخاطر جسيمة نتيجة التهجير القسري، حتى في الحالات التي لا توجد فيها أوامر هدم رسمية، وفق تقارير إحصائية.

ولا تقتصر هذه الانتهاكات على هدم المدارس القائمة أو قيد الإنشاء، بل تمتد إلى أساليب أخرى في استهداف التعليم. ففي البلدة القديمة بمدينة الخليل، حوّل الاحتلال مدارس إلى ثكنات عسكرية، يتعرض فيها الطلبة يوميًا للتنكيل والتفتيش والتحرش والضرب من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال.
تصف المواطنة فاطمة جابر، والدة الطفلين شمس وعلي جابر اللذين يدرسان في مدرسة زياد جابر وسط البلدة القديمة، هذه المعاناة بقولها: "منذ بدء الإبادة في غزة، تحولت حياة الطلبة إلى جحيم مضاعف. بخصوص أطفالي، كانوا يذهبون إلى المدرسة التي تبعد عن منزلنا بضعة أمتار، لكنهم صاروا يقطعون أكثر من أربعة كيلومترات للوصول، بعد أن أغلق الاحتلال الطريق المؤدي إليها، فيمرّون عبر بوابات التفتيش ويسلكون طرقًا مشيًا على الأقدام، ويتعرضون لاعتداءات المستوطنين".
"تبعد المدرسة عن بيتنا بضعة أمتار، لكن أطفالي صاروا يقطعون أكثر من أربعة كيلومترات للوصول. لقد أغلق الاحتلال الطريق المؤدي إليها (..) يمرون يوميًا عبر بوابات التفتيش، ويتعرضون لاعتداءات المستوطنين".
وتضيف: "هذا عدا عن عدم انتظام الدوام، فأي عيد ميلاد لمستوطن في البلدة القديمة قد يتحول إلى مناسبة لمنع التجول وتعطيل المدارس، فضلًا عن الأعياد اليهودية والأعراس وغيرها من المناسبات".
تؤكد فاطمة أن كل ذلك أسهم في تراجع التحصيل الدراسي لأطفالها، وهو حال غالبية مدارس البلدة القديمة. وقد رُصدت أوضاع مشابهة في عدد من المدارس، من بينها مدرسة الفيحاء، حيث أُقيم حاجز أمامها يُعرف باسم "حاجز المافيا"، بحيث تُمنع الطالبات المحجبات من الدخول.
أما المدرسة الإبراهيمية القريبة من الحرم الإبراهيمي، التي كانت وجهة لعشرات الطلبة من أحياء مثل أبو الريش والسلايمة، فقد أصبحت شبه معزولة بعد إغلاق جميع الطرق المؤدية إليها، ما حرم نحو 50% من طلبتها من الالتحاق بها.
ولم تسلم مدرسة ياسر عمرو الثانوية للبنات من هذه الظروف، إذ افتتحت عامها الدراسي 2025–2026 وهي أشبه بثكنة عسكرية، يطوّقها الاحتلال بالأسلاك الشائكة، وتُوضع بوابة حديدية عند مداخلها.
وتقول فاطمة: "هذه الظروف تضع الأهالي أمام خيار واحد: ترك المدارس والتعليم للأسف"، مؤكدة أن الخوف على الأبناء سيظل حاضرًا ما دامت هذه الاعتداءات مستمرة.

في القدس المحتلة، تتفرد سياسات الاحتلال بأشكال حصرية من إبادة التعليم. فإلى جانب قرارات الهدم، أغلقت سلطات الاحتلال ست مدارس تابعة لوكالة "أونروا" تنفيذًا لقرار حظر أنشطتها داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ما حرم 550 طالبًا وطالبة من استكمال تعليمهم. كما يبرز في القدس نوع آخر من الاستهداف يتمثل في سياسة الحبس المنزلي، التي تطال مئات الطلبة سنويًا، وتحرمهم من تلقي حقهم في التعليم بشكل طبيعي.
أما في التجمعات البدوية، التي هُجّر أكثر من 200 تجمع منها خلال عام 2025م، فيوضح حسن مليحات، مدير منظمة البيدر لحقوق البدو، أن هذا العام كان من أسوأ الأعوام على صعيد التعليم. فقد استولى المستوطنون على مدرسة عرب الكعابنة الأساسية في المعرجات شمال غربي أريحا بعد تهجير التجمع البدوي، وهدم الاحتلال مدارس أخرى في الأغوار الشمالية وجنوبي الضفة الغربية.
استولى المستوطنون على مدرسة عرب الكعابنة الأساسية في المعرجات شمال غربي أريحا بعد تهجير التجمع البدوي، وهدم الاحتلال مدارس أخرى في الأغوار الشمالية وجنوبي الضفة الغربية.
ولم يقتصر تأثير ذلك على هدم المدارس، بل شمل عدم انتظام العملية التعليمية، وبُعد المدارس عن الطلبة، والمخاطر والعوائق التي تواجههم في طريقهم إليها، وفي مقدمتها اعتداءات المستوطنين وحواجز الاحتلال.
وفي بقية مناطق الضفة الغربية، أثرت الاقتحامات المتكررة للاحتلال بشكل كبير على انتظام العملية التعليمية، ما انعكس سلبًا على التعليم عمومًا. ويضيف الخضور أن الاحتلال أعاق، ولا يزال، تنقل آلاف الطلبة والمعلمين للوصول إلى مدارسهم، خاصة في البلدة القديمة بالخليل ومدارس أريحا وطوباس، حيث يضطرون إلى عبور نحو ثلاثة حواجز يوميًا، وقد مُنعوا أكثر من 13 مرة خلال العام الدراسي الحالي من الوصول إلى مدارسهم.
ويشير الخضور إلى استهداف الاحتلال المباشر للمدارس واقتحامها، كما حدث في مدارس نابلس، والساوية، والريف الشرقي في بيت لحم، ومسافر يطا جنوبي الخليل. ويضيف: "الأزمة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية، نتيجة حجز الاحتلال لأموال المقاصة، عمّقت الأزمة التعليمية، وأثرت على صرف رواتب المعلمين، وأدت إلى تقليص أيام الدوام إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا، ما انعكس على جودة التعليم في الضفة الغربية".

كما أن وجود أكثر من 900 حاجز وبوابة عسكرية قطع أوصال الضفة الغربية، وعزل مناطقها عن بعضها، ما زال يؤثر بشكل مباشر على قدرة الفلسطينيين، بمن فيهم الطلبة والمعلمون، على الوصول إلى مدارسهم، في واقع تعليمي بات هو الآخر ساحة مفتوحة للاستهداف.
في الضفة الغربية، لم يعد التعليم مساحة آمنة، بل صار امتدادًا للمواجهة اليومية. مدارس تُغلق، وأخرى تُحاصر، وطلبة يتعلمون على إيقاع الاقتحام والحاجز والخوف. ومع كل عام دراسي يُستهدف، تتآكل فرص جيل كامل في حياة طبيعية، فيما تمضي "إبادة التعليم" بصمت، تاركة السؤال مفتوحًا: كم من الأعوام يمكن لطفولة محاصرة أن تصمد قبل أن تنكسر؟
























