شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:13 بتوقيت القدس

أمهاتٌ انتظرن سنوات وأنجبن تحت الإبادة..

في شتاء النزوح.. الخيمة أضيق من حلم "الأمومة"!

04 يناير 2026 - 15:25

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

حينما اختلطَ ماءُ الاستحمامِ الأولِ للرضيع "المنتصر بالله" بدموعِ أمِّه، لم يكن الخوفُ من انزلاقِ الجسدِ الغضِّ هو ما يرتجفُ له قلبها، بل كان رعباً من "بلادٍ" صارت خيمة، وشتاءٍ لا يرحمُ من غزا الشيبُ قلوبهم، فكيف بمَن لم يأتِ إلى الدنيا إلا منذ فجرين؟

هذا الصغير، الذي أطلَّ على الدنيا بعد خمسِ سنواتٍ من القحطِ في رَحِمِ الغيب، لم يجد في استقباله جدرانَ بيتٍ دافئة، بل ألفى نفسَه في "أرض الشنطي"، داخل خيمةٍ لا تردُّ بردًا ولا تمنعُ ضجيجًا. اختارت له أمُّه وقت الظهيرة ليغتسل، طمعًا في بعضٍ من شمسِ ديسمبرَ الشحيحة، وكأنها تستجدي السماءَ دِفئاً لولدٍ جاء كمعجزةٍ في زمنِ الموت.

هنا في غزة، لا تكتملُ الأفراح؛ فالحلمُ الذي انتظرته أمهاتٌ لسنوات، تحولَ بفعلِ الحربِ إلى قلقٍ وجوديّ يفطرُ القلوب، حيث يتربصُ البردُ، والمرضُ، والجوع، والقوارض، وقبلهم القصفُ، بكلِّ شهيقٍ وزفير.

تقول "فاطمة": "بعد خمس سنواتٍ من الانتظار، أخبرني النبضُ في أحشائي أنني لستُ وحيدة". كانت الفرحةُ في البدايةِ خجولة، تزامنت مع دويِّ الانفجار الذي سوّى بيتها في "الشيخ رضوان" بالأرض.

حملت جنينها ونزحت، تخبئُه في أحشائها من الشظايا، وتهمسُ له في كلِّ غارة: "اثبت يا صغيري، فإنما جئتَ لتعيش".

ولد "المنتصر بالله" في قلب العاصفة، واليوم، تقف الأمُّ عاجزةً أمام رقعةٍ من قماش، تحاولُ سدَّ ثقوبها بيدٍ مرتعشة، وتغسلُ ملابسه القليلة وتجففها فوق نيرانِ الحزن، ليرتديها ثانيةً قبل أن يتسللَ الصقيعُ إلى عِظامه.

"زين" ليس مجرد طفل، إنه ثمرةُ عشر سنواتٍ من الحرمان، وخلاصةُ مدخراتِ العمرِ التي أُنفقت في "عملياتِ الزراعة" ليأتي في الشهر الأول من الحرب مخاضًا من الخوف.

وعلى مقربةٍ من وجعِ فاطمة، تقف "صابرين" البالغة من العمر خمسة وأربعين عامًا، تحرسُ طفلها "زين" كأنها تحرسُ آخرَ نجمةٍ في سماءٍ مظلمة. "زين" ليس مجرد طفل، إنه ثمرةُ عشر سنواتٍ من الحرمان، وخلاصةُ مدخراتِ العمرِ التي أُنفقت في "عملياتِ الزراعة"، ليأتي في الشهر الأول من الحرب مخاضًا من الخوف.

تصف صابرين حياتها بأنها "ركضٌ بلا انتهاء"؛ فلا أبوابَ تُغلق، ولا جدرانَ تحمي. لقد صار "زين" يطاردُ القططَ عند حوافِ الآبار المفتوحة، ويتسللُ من تحتِ "شوادر" الخيام، بينما تلهثُ الأمُّ خلفه بقلبٍ مثقلٍ بالرعب. "أربعُ مراتٍ كاد يبتلعه البئرُ لولا رحمةُ الله"، تقولها بصوتٍ يختنقُ بالإرهاق.

لقد انخفض وزنها، وشحبَ لونها، وأكلَ السهرُ عينيها، وهي التي تذودُ عنه الحشراتِ التي تزحفُ من الأرض، وتقبضُ على يده كي لا يلمسَ نارَ الطهيِ المشتعلةَ على التراب. إنها معركةٌ يوميةٌ للحفاظِ على "المعجزة" من الضياع في زحامِ المأساة.

تفسّرُ اللغةُ النفسيةُ هذا الهلعَ بأنه "حمايةٌ مفرطة"، لكنَّ أوجاعَ أمهاتِ غزة تتجاوزُ التوصيف. الأخصائيةُ "سهام اصليّح" تلمسُ في هؤلاء النسوةِ صدمةً مضاعفة؛ فرحةُ الأمومةِ المبتورةِ بصدمةِ الواقع. تراهنَّ لا يتركنَ أطفالهنَّ للحظة، حتى في قضاءِ الحاجاتِ الأساسية، ويحملنَ أعراضَ اضطرابِ ما بعد الصدمةِ كوشمٍ خفيٍّ على أرواحهن. ومع ذلك، يبتكرنَ "حياةً" داخل الخيمة، ويصنعنَ من اللا شيء بيئةً للنوم والطعام، في محاولةٍ يائسةٍ لترميمِ كرامةِ الطفولة.

في خيامِ غزة، لا يُقاسُ الإنجازُ باكتمالِ المشاريع، بل بقدرةِ هؤلاء الأمهاتِ على إبقاءِ صغارهنَّ أحياءً حتى الصباح. إنها قصةُ "الفسيلة" التي تُزرعُ والقيامةُ قائمة، وقصةُ أمهاتٍ يقلنَ للعالم: إنَّ حبًا انتظرناه لسنين، لن تسرقه منا رصاصةٌ أو صقيعُ خيمة.

كاريكاتـــــير