غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كانت عائلة محمد نصار تستعدّ لإعداد وجبة الغداء على نارٍ بديلة من الأخشاب والكرتون، حين انقلب المشهد في لحظة إلى فاجعة. لم يكن أحد يتوقّع أن السقف الذي ظلّهم طوال سنوات سيختار تلك اللحظة بالذات ليسقط فوق رؤوسهم.
خلال ثوانٍ قليلة، انهارت الطوابق الخمسة للبيت الآيل للسقوط، وخسرت العائلة اثنين من أبنائها، لتتحوّل الحياة بعدها إلى فراغٍ ثقيل لا يُحتمل.
يخبرنا أبو غازي، والد الضحيتين، أن الحادثة وقعت يوم الجمعة 12 ديسمبر 2025م. ويقول: "خرجتُ إلى سوق الشيخ رضوان القريب لجلب بعض الحاجيات، وعدت لأجد البيت وقد ابتلع أبنائي".
"خرجتُ إلى سوق الشيخ رضوان القريب لجلب بعض الحاجيات، وعدت لأجد البيت وقد ابتلع أبنائي".
توفيت ابنته لينا (18 عامًا) وابنه غازي (15 عامًا) فورًا، وبقي هو واقفًا أمام الركام، عاجزًا عن استيعاب كيف يمكن للحظة غياب قصيرة أن تكلّفه عمرًا كاملًا من الألم.
يضيف: "منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة نزحت إلى وسط القطاع، ثم عدت خلال الهدنة الأولى في يناير 2025م لأجد بيتي متضررًا جزئيًا. ومع استئناف الحرب، اضطررت للنزوح مجددًا، قبل أن أعود مرة أخرى إلى البيت نفسه، رغم ازدياد حجم الدمار".
لم يكن القرار خيارًا بقدر ما كان اضطرارًا، كما يؤكد، ويتابع: "لم يكن لدينا بديل. جدران متصدعة وأعمدة مصابة، لكننا سكنّاها لأن الخيام لم تعد تُطاق"، هذا قبل أن يسقط البيت على رؤوس أبنائه، تاركًا الأب مع ذاكرة لا ترممها الهُدن.

في الحي ذاته، حي الشيخ رضوان، انهار منزل عائلة أبو القمصان المكوّن من أربعة طوابق. نجا سكانه بأعجوبة، لكن الخوف ظلّ معلقًا في صدورهم، كأن الموت مرّ قريبًا وترك ظله خلفه.
يوضح محمد أبو القمصان أنهم نزحوا منذ بداية الحرب، وعادوا في يناير 2025م ليجدوا المنزل متضررًا بالقذائف وشبه محترق، لكنه لا يزال قائمًا. "اخترنا السكن فيه رغم كل شيء، فحياة الخيام أنهكتنا"، يقول، قبل أن يضطروا للنزوح مجددًا مع عودة القصف.
بعد إعلان وقف إطلاق النار في 13 أكتوبر 2025م، عاد محمد مع شقيقه المتزوج وزوجته وأطفالهما الثلاثة فقط. أما بقية العائلة فلم تتمكن من العودة بسبب خطورة الوضع الإنشائي للبيت.
اختاروا السقيفة (السدّة) مكانًا مؤقتًا، علّها تكون أكثر أمانًا. "كنا نعرف أن البيت متهالك، لكن لم يكن أمامنا خيار"، يضيف، مستعيدًا يوم 15 ديسمبر، حين خرج للبحث عن بديل. على بُعد أمتار من المنزل، سمع صوت انهيارٍ هائل. ركض شقيقه لينقذ طفلته التي كانت تقف أسفل البيت، بينما كان الطفلان الآخران مع والدتهما داخل المنزل، التي احتمت بعمود باطون، فأنقذت نفسها وأطفالها من موتٍ محقق. نجاة بدت أقرب للصدفة منها للخطة.
المنخفض الجوي الذي ضرب قطاع غزة لم يترك مجالًا للصدف. ووفق الدفاع المدني الفلسطيني، تسبب في انهيار 17 مبنى، ووفاة 17 فلسطينيًا، بينهم أربعة أطفال.
أرقام لا تختصر حجم المأساة، لكنها تكشف اتساعها، في قطاع يعيش معظم سكانه بين خيام لا تصمد أمام الرياح، وبيوت متضررة لم تعد صالحة للحياة.
فخلال الحرب، دمرت قوات الاحتلال أكثر من 330 ألف مبنى، بينها أكثر من 192 ألفًا دُمّر تدميرًا كليًا، فيما صُنّف معظم المتبقي كمبانٍ متضررة جزئيًا وآيلة للسقوط.
ومع غياب البدائل، اضطر آلاف المواطنين للعودة إلى بيوت يعرفون أنها قد تنهار في أي لحظة، تمامًا كما حدث مع عائلتي نصار وأبو القمصان.
وحذّر الصليب الأحمر من أن الظروف الجوية القاسية تزيد من احتمالات انهيار المباني المتضررة في غزة، مؤكدًا أن ذلك يؤدي إلى خسائر مأساوية في الأرواح. ودعا إلى إدخال المزيد من المساعدات الإنسانية، خصوصًا مستلزمات الإيواء المستدامة، في ظل واقع لا يرحم.

من جهته، أعلن الدفاع المدني استشهاد 17 مواطنًا، بينهم أربعة أطفال، وتعامله مع 90 مبنى انهار جزء منها، إضافة إلى تلقيه نحو 5000 نداء استغاثة.
ويوضح الدكتور محمد المغير، مدير إدارة الدعم الإنساني والتعاون الدولي في الدفاع المدني، أنهم سجلوا سقوط 15 ضحية منذ بداية المنخفض، وأنهم حصروا أكثر من 25 ألف مبنى آيل للسقوط، من أصل 330 ألف مبنى متضرر، وذلك فقط في المناطق التي لا يسيطر عليها الاحتلال، ما يعني أن الرقم مرشح للارتفاع.

ويؤكد المغير أن الدفاع المدني يعمل في ظروف شبه مستحيلة، في ظل غياب المعدات الثقيلة، والرافعات، والبواقر اللازمة لإزالة الأنقاض، إضافة إلى القيود المشددة على الوقود.
فمنذ وقف إطلاق النار، لم يستلم الدفاع المدني سوى 200 لتر من البنزين، تُستخدم حاليًا لتشغيل معدات تقطيع الكتل الخرسانية المعلّقة.
الأخطر، كما يقول، هو وجود مبانٍ استُهدفت طوابقها العلوية وبقيت كتلها الخرسانية معلّقة فوق سكان يعيشون في الطوابق السفلية، دون القدرة على التدخل. عند هذا الحد، لا يعود الدفاع المدني منقذًا، بل شاهدًا عاجزًا، في مدينة تُسحق أرواح من فيها بين الركام والبرد.
























