غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن باكزة نصر الله تتخيّل يومًا أن تصبح الخيمة آخر ما يحميها من البرد والجوع والمرض. بعد أن دمّرت الحرب منزلها، وجدت الأم الخمسينية نفسها محاصرة بعجزها داخل مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار، في وقتٍ يلتهم فيه داء الفيل ما تبقى من قدرتها على الحركة.
تورّم ساقيها المستمر جعل كل خطوة محاولة مؤلمة للبقاء، ومع غياب الدواء داخل المخيم الذي تقيم فيه غربي دير البلح وسط قطاع غزة، تحوّل المرض إلى عبء دائم يثقل جسدها وأيامها المتعبة.
تمسك باكزة طرف بطانيتها كما لو أنها آخر ما يربطها بالحياة: إنها مريضة، ولا تقوى على الحركة، فالعلاج غير متوفر، ومنزلها لم يعد موجودًا؛ فقد سلبته الحرب كما سلبت معها كل فرص العلاج والنجاة. نبضها قائم، نعم، لكن روحها -كما تقول- انطفأت تحت كل الظروف.
"جاءت الحرب الأخيرة لتقلب حياتي مرة أخرى. استُشهد زوج ابنتي تحت القصف الإسرائيلي، فعادت إلى خيمتي ومعها طفلاها الصغيران، اللذان انضما إلى دائرة الحاجة داخل المخيم".
مأساة باكزة بدأت قبل الحرب بسنواتٍ طويلة. تخبر أنها أمضت عشرين عامًا تبحث عن حلم الأمومة، تتنقل بين العيادات والعلاجات والحقن، حتى رُزقت أخيرًا بابنتيها بعد رحلةٍ أنهكت صحتها. لكن فرحتها لم تكتمل؛ إذ أصيبت بعد فترة قصيرة من الولادة بداء الفيل، لتجد نفسها أمام معاناة جديدة مع جسد لم يعد يقوى كما كان.
وبينما كانت تحاول التعايش مع مرضها وتربية طفلتيها، فُجعت بوفاة زوجها بجلطة مفاجئة تركتها وحيدة في مواجهة مسؤوليات الحياة كافة، من تأمين احتياجات ابنتيها اليومية إلى العناية بالمنزل. ومع مرور السنوات وكبر طفلتيها، أصبحت تعتمد عليهما في الحركة والرعاية، بعد أن خذلها جسدها المرهق.
تتابع قائلة: "جاءت الحرب الأخيرة لتقلب حياتي مرة أخرى. استُشهد زوج ابنتي تحت القصف الإسرائيلي، فعادت ابنتي إلى خيمتي ومعها طفلاها الصغيران". انضم الطفلان ووالدتهما إلى دائرة الحاجة داخل المخيم، وتحديدًا داخل خيمة الجدة باكزة، حتى تضاعفت مسؤولياتها رغم محدودية قدرتها الجسدية. كانت تكافح كل ليلة باردة لتوفير الحد الأدنى من الطعام والرعاية وسط ظروف إنسانية قاسية.

تعاني الجدة التي لا تملك اليوم سوى خيمة وذكريات منزل لم يبقَ منه شيء، ومرض يزداد حدة بلا دواء، لكنها رغم ذلك لا تزال تتمسك بما تبقى من قوتها لتُبقي أسرتها واقفة في وجه الجوع والبرد والخراب. وسط كل تلك المحاولات، توجه باكزة مناشدة إنسانية، تطلب فيها علاجًا يخفف ألمها، ودواءً يحفظ ما تبقى من قدرتها على رعاية بناتها وحفيديها، إذ تختتم حديثها بصوت يختلط فيه الخوف بالأمل: "أريد فقط دواء أستطيع به أن أقف على قدمي.. أريد أن أعيش لأجلهم".
























