شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 02 مايو 2026م20:36 بتوقيت القدس

ولادةٌ على الرصيف.. أمٌ صارعت الموت لتمنح طفلتها الحياة!

24 نوفمبر 2025 - 09:40
سماهر كوارع وطفلتها الرضيعة "ملاك"
سماهر كوارع وطفلتها الرضيعة "ملاك"

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تتلاشَ بعدُ ملامح الوجوم والصدمة عن وجه الشابة سماهر كوارع (23 عامًا)، تلك الملامح التي وُلدت معها طفلتها ملاك على قارعة الطريق، في لحظة لم تكن تتخيل أن تصبح بطلتها؛ لحظة فرضتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بكل قسوتها وفوضاها وانفلاتها من كل ما يشبه الحياة الآمنة.

تقول سماهر، وصوتها يهرب ويتكسّر بين جملة وأخرى: "كان ذلك يوم 11 نوفمبر 2025مم، لم أظن أن يحدث هذا أبدًا. شعرت بألم الولادة، فخرجت مع زوجي ووالدته إلى المستشفى. لم نجد سيارة تقلّنا، فإذا بي أشعر بالجنين يخرج من رحمي بينما أنا في الشارع. أُغمي عليّ، وكان آخر ما سمعته صرخات والدة زوجي وهي تستنجد لإنقاذي وإنقاذ المولودة".

سماهر، الأم لطفلين آخرين هما منّة (5 سنوات) وعبد الرحمن (عامان ونصف)، نازحة من مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، إلى منزل أصدقاء لعائلة زوجها في دير البلح وسط القطاع.

تعيش العائلة المكوّنة من زوجها ووالدته وطفليها في غرفة واحدة، تحاول أن تتسع لقلوبهم جميعًا، لكنها تضيق بحاجاتهم وأوجاعهم.

تعيش العائلة المكوّنة من زوجها ووالدته وطفليها في غرفة واحدة، تحاول أن تتسع لقلوبهم جميعًا، لكنها تضيق بحاجاتهم وأوجاعهم.

تشير سماهر إلى الفرشات والأغطية والملابس المبعثرة من حولها، مؤكدة أنهم حصلوا عليها من فاعلي خير بعد نزوحهم في مايو 2024م. لم يحملوا شيئًا معهم من بيوتهم التي قُصفت لاحقًا. زوجها، الذي كان يعمل في الحمامات الزراعية، فقد عمله هو الآخر، وتحوّلوا إلى عائلة تعتمد كليًا على "التكيات" للبقاء، وفي هذه الظروف القاسية اكتشفت حملها.

"كانت مرحلة الحمل صعبة. عشت على طعام التكيات الذي لا يُشبع ولا يفيد. أصبت بالتهابات، وكنت أتلوّى من الجوع، ولم أتوقع أن تبقى ملاك على قيد الحياة أصلًا".

تحتضن سماهر رضيعتها ملاك، وتحاول أن ترسم ابتسامة مرتبكة على شفتيها وهي تقول: "كانت مرحلة الحمل كلها صعبة. عشت على طعام التكيات الذي لا يُشبع ولا يفيد. أصبت بالتهابات، وعايشت مرحلة المجاعة كاملة. كنت أتلوّى من الجوع، ولم أتوقع أن تبقى ملاك على قيد الحياة أصلًا".

عاند الجنين رعب الحرب، وصمد في رحم أمه رغم سوء التغذية والمجاعة التي أدّت -بحسب مكتب الإعلام الحكومي- إلى أكثر من 12  ألف حالة إجهاض، ضمن حرب إبادة إسرائيلية قتلت منذ 7 أكتوبر 2023 أكثر من 70 ألف إنسان، بينهم ما يزيد على 18  ألف طفل، و12  ألف امرأة.

وعلى هذه البقعة الصغيرة التي تتناقص فيها الحياة، قاومت ملاك لتُولد في الشارع. تتدخل أم إياد، جدة الطفلة في الحديث، وعيناها لا تزالان تحملان دهشة تلك اللحظات: "عندما خرج زوجها للبحث عن سيارة، بقيت أنا معها. فجأة صرختُ لأسمع صوت بكاء المولودة. لم أعرف ماذا أفعل. فكرت فقط كيف أنقذ الطفلة والأم".

تتنهد، وتستعيد المشهد كما لو أنه يحدث الآن: "تدخل الناس لصنع ساتر. استجمعت قوتي وسحبت الجنين، وغطّيت الأم والطفلة بغطاء ناولني إياه أحد المارة. لم أجرب التوليد من قبل. الحبل السري ظلّ يتدلّى، ولم أملك ما أقدمه لزوجة ابني. إلى أن وصلت سيارة أخذتنا إلى المستشفى، وهناك تم قصّه وتركيب المحلول لها".

"حتى في المستشفى لم تمكث زوجة ابني كثيرًا. تم تحويلها إلى مستشفى العودة في النصيرات لأن مستشفى شهداء الأقصى مكتظ بالمصابين (..) زوجة ابني حتى الآن مرتبكة، تعاني من آثار ما حدث".

خبرت أم إياد الولادة في بيتها على يد داية، لكنها تقول "إن الداية في البيت كانت تمارس مهنة وتُجري الولادة بشروط أفضل من ولادة الشارع. تُحمّل تبعات الحرب مسؤولية ما جرى، فالطرق التي تغيب عنها السيارات ليست غزة التي يعرفونها قبل الحرب".

وتكمل: "حتى في المستشفى لم تمكث كثيرًا. تم تحويلها إلى مستشفى العودة في النصيرات لأن مستشفى شهداء الأقصى مكتظ بالمصابين". ثلاثة أيام كاملة عاشت فيها الجدة في صدمة. تقول: "زوجة ابني حتى الآن مرتبكة، تعاني من آثار ما حدث".

تستعيد سماهر أنفاسها وتتابع: "ولاداتي السابقة لم تكن فيها مشاكل. أوزان أطفالي كانت ممتازة. حتى ملاك لم أتوقع أن تولد بخير. لم أتابع الأطباء خلال الحمل، ولم أتلقَّ علاجًا أو رعاية. منذ نزوحي لم أدخل عيادة. حتى التطعيمات أخذتها إليها جدتها".

تناشد الجدة الجهات العاملة في مجال الأمومة والطفولة أن تحتضن الصغيرة، وأن تؤمّن لها ما يلزم لتبقى بصحة جيدة.

وفيما كانت الجدة تبدّل ملابس الرضيعة، أشارت إلى قلة التغذية لدى الأم المرضعة، وصعوبة توفير حليب للمولودة لولا تبرعات فاعلي الخير، فضلًا عن عدم قدرتهم على شراء اللحوم رغم توفرها نسبيًا، ولا الخضار والفواكه التي يعجز الأب العاطل عن العمل عن توفيرها.

وتناشد الجدة الجهات العاملة في مجال الأمومة والطفولة أن تحتضن الصغيرة، وأن تؤمّن لها ما يلزم لتبقى بصحة جيدة.

تبتسم سماهر ابتسامة باهتة، وتختم بحلم بسيط: "ولدت ملاك بظروف قاسية وصعبة، لكني أتمنى لها مستقبلًا جميلًا. لم أتوقع أن تبقى على قيد الحياة، لكنها بقيت.. أتمنى أن تحقق كل أحلامها عندما تكبر".

كاريكاتـــــير