غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في قلب خيامٍ يثقلها الغبار، وتلفحها روائح لا تشبه سوى الحرب، تتكشّف مأساة جديدة لا تقل قسوة عن القصف والدمار؛ نفايات المشافي التي تحوّلت إلى ضيف ثقيل يجوب مناطق النزوح، متوارية بين الأزقة الضيقة التي تزدحم بالنازحين.
في غزة التي تنهكها الحرب، خرجت النفايات الطبية من دائرة السيطرة، لتشق طريقها نحو التجمعات السكانية لا سيما الخاصة بالنازحين، محمّلة بخطر لا يُرى، لكنه قادر على تحويل حياة الناس إلى بيئة خصبة للمرض والوباء.
ومع انهيار منظومة الفرز والحرق والدفن الصحي، باتت المكبات العشوائية قريبة من الخيام أكثر من أي وقت مضى، كأنها تهديد يتنفس على مقربة من الأطفال.
"منذ وصولنا، لم يتعافَ أطفالي من الأمراض الجلدية. ظهرت لديهم حبوب متقيحة وتورمات، ونحن نعاني من سعال وضيق تنفس طوال الوقت".
في خيمة صفاء عبد العال، النازحة التي تقيم مع أسرتها قرب مكب للنفايات قرب شاطئ الزوايدة، تتجلى القصة. تخبرنا إنها لم تعرف يومًا معنى التعافي منذ وصولها إلى هذا المكان. وتروي بحزن: "منذ وصولنا، لم يتعافَ أطفالي من الأمراض الجلدية. ظهرت لديهم حبوب متقيحة وتورمات، ونحن نعاني من سعال وضيق تنفس طوال الوقت".
وتشير إلى أن الرائحة المنبعثة من المكب لا تتوقف، وأن الذباب والحشرات يملآن الخيام. ثم تضيف: "عندما راجعت الطبيب، قال إن علينا مغادرة المكان فورًا بسبب الغازات والحشرات التي تنقل الأمراض". صوتها يحمل ثقلًا يشبه الوجع حين يتحول المكان إلى عدو لا يمكن الهروب منه.
ومع نصيحة الطبيب، اضطرت صفاء لدفع مبالغ كبيرة للانتقال إلى منطقة أخرى، لكن كثيرًا من النازحين لم يملكوا القدرة على اتخاذ خطوة مماثلة.

وتتابع: "العشرات من العائلات حولها يعيشون معاناة شبيهة، لكنهم لا يجدون ملاذًا آخر"، وتضيف بمرارة: "المشكلة ليست في المرض فقط، بل في أن الناس هنا يشعرون أنهم محاصرون بين الحرب والتلوث، ولا يعرفون إلى أين يذهبون".
بدوره، يقول عمر تنيرة، مدير دائرة الخدمات الفندقية في وزارة الصحة لشبكة "نوى": "القطاع كان قبل الحرب يمتلك منظومة دقيقة للتعامل مع النفايات الطبية. كانت المستشفيات تفرز النفايات وفق ثلاثة مستويات واضحة؛ فالعادية في أكياس سوداء، والخطرة في أكياس صفراء، أما الخطرة جدًا فكانت تُحرق أو تُدفن ضمن إجراءات آمنة في مواقع مخصصة".
ويضيف: "قبل الحرب كانت عملية التعامل مع النفايات محكمة ومنظمة، وكان هناك التزام صارم بمعايير الحرق والدفن الصحي داخل المكبات الرسمية شرق مدينة غزة أو داخل مستشفى الشفاء".
"باتت المستشفيات تجمع النفايات بكل أنواعها بالطريقة ذاتها، لا لأنها تريد ذلك، بل لأنها فقدت الخيارات. هذا التراجع ضاعف خطورة التعامل داخل الأقسام والمختبرات وبين الطواقم الطبية".
لكنّ الصورة تغيّرت كليًا، كما يوضح تنيرة، إذ أصبحت المستلزمات الأساسية مثل الأكياس المخصصة وصناديق "السيفتي بوكس" شبه معدومة.
يردف بحسرة: "باتت المستشفيات تجمع النفايات بكل أنواعها بالطريقة ذاتها، لا لأنها تريد ذلك، بل لأنها فقدت الخيارات. هذا التراجع ضاعف خطورة التعامل داخل الأقسام والمختبرات وبين الطواقم الطبية".
ويتابع: "كنا نرحّل صناديق السيفتي بوكس كل أسبوع تقريبًا، لكن خلال الحرب اضطررنا لتركها خمسة عشر يومًا أو أكثر، وهذا يعرض الطواقم لخطر الإصابات بالعدوى من الإبر الملوثة الموجودة داخل الصندوق".
ومع تدمير مواقع الحرق ومنع الوصول إلى بعضها، وجدت المستشفيات نفسها أمام خيارات ضيقة؛ فتخلّصت من النفايات في مكبات مؤقتة وعشوائية، أحدها قرب شاطئ بحر الزوايدة وسط القطاع، وآخر قرب جامعة الأقصى في خانيونس جنوبي القطاع، وفي محيط هذه المكبات تقيم مخيمات تأوي آلاف النازحين.
"هذه النفايات تشكل خطرًا على التربة والمياه والهواء، وتُنذر بانتشار أمراض داخل المخيمات قد يصعب السيطرة عليها لاحقًا".
ويوضح تنيرة أن هذا التحول لم يكن قرارًا صحيًا، بل نتيجة مباشرة لانهيار الخدمات الأساسية ومنع دخول المواد اللازمة. ثم يحذر: "هذه النفايات تشكل خطرًا على التربة والمياه والهواء، وتُنذر بانتشار أمراض داخل المخيمات قد يصعب السيطرة عليها لاحقًا".
وتقدّم الدكتورة إسلام الهبيل، المختصة في الهندسة البيئية والكيميائية، تفسيرًا علميًا لطبيعة هذه الأخطار، فتقول: "النفايات الطبية المتولدة في مستشفيات غزة خلال الحرب لا تقتصر على الأدوات الملوثة، بل تشمل الأنسجة البشرية، والمشيمة، والدم، وسوائل الجسم، والإبر، وبقايا الأدوية والمواد الكيميائية".
وتوضح أن تحلل هذه المواد في الهواء الطلق أو داخل مكبات غير مجهزة يؤدي إلى انبعاث غازات شديدة السمية مثل الأمونيا وكبريتيد الهيدروجين والمركبات العضوية المتطايرة، وهي غازات كفيلة بتدمير الجهاز التنفسي ونشر مسببات الأمراض عبر الهواء والحشرات، خاصة في الأماكن المكتظة التي تخلو من التهوية الجيدة.
"تحلل هذه المواد في الهواء الطلق أو داخل مكبات غير مجهزة يؤدي إلى انبعاث غازات شديدة السمية مثل الأمونيا وكبريتيد الهيدروجين والمركبات العضوية المتطايرة، وهي غازات كفيلة بتدمير الجهاز التنفسي ونشر مسببات الأمراض عبر الهواء والحشرات".
وتضيف بنبرة جادة: "هذه الغازات تسبب تهيجًا تنفسيًا حادًا، وقد تؤدي إلى انتشار مسببات الأمراض عبر الهواء والحشرات".
وتحذر الهبيل من تسرب المواد الكيميائية والدوائية مثل الفورمالدهيد والجلوتارالدهيد، إضافة إلى المعادن الثقيلة كالزئبق والرصاص، إلى التربة ومنها إلى الخزان الجوفي الضحل الذي تعتمد عليه غزة في الشرب.
وتشير إلى أن هذا الوضع، وفق المعايير الدولية، يمثل بيئة عالية الخطورة قد تقود إلى أمراض خطيرة على المدى القصير والبعيد. تقول: "نحن أمام أزمة بيئية وصحية مركّبة، وإن لم تُعالج بسرعة سنشهد ارتفاعًا في الأمراض الجلدية والتنفسية وربما ظهور حالات تسمم كيميائي". كأنها تقدم خلاصة لمشهد يتشكل يومًا بعد يوم في صمت.
هذه الوقائع تكشف حجم أزمة تتجاوز قدرة المؤسسات الصحية والبيئية في غزة على التعامل معها. فالنفايات الطبية تحولت من ملوّث داخل المستشفيات إلى مهدد مباشر لحياة الناس، ما يستدعي تدخلًا عاجلًا لتوفير أدوات الفرز وصناديق الإبر ومواد التطهير، إلى جانب إنشاء مكبات صحية بعيدة عن المناطق السكانية وإعادة تشغيل منظومة الحرق والدفن الآمن. وفي انتظار هذا التدخل، تبقى المخيمات ساحة مفتوحة للمرض، قابلة لظهور موجات وبائية في منطقة تُعد من أكثر البيئات هشاشة في المنطقة، وربما أكثرها صمتًا أمام الخطر.
























