شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م01:56 بتوقيت القدس

مكتبة د.فلاح تحت أنقاض بيته..

جمع الكتب لنصف قرن وفقدها في ليلة "قصف"!

20 نوفمبر 2025 - 08:57

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في بيته الذي لفّه الركام، يجلس الأستاذ الدكتور فلاح سعد الدلو، وقد أرهقته الذكريات أكثر مما أنهكته السنون. يمرر يده على بقايا الكتب المتناثرة حوله، كمن يربّت على أطفاله بعد عاصفة قاسية، وتنبعث من عينيه ظلال رجلٍ فقد جزءًا من روحه، لكنه ما زال يقبض على ثباته بالعلم.

لقد احترقت مكتبته في قصفٍ طال بيته. تلك المكتبة التي كانت تشاركه الجزء الأكبر من يومه، وتثير غيرة أهل بيته الذين كانوا يرونها منافسًا لهم في قلبه وحبه.

"أنشأت هذه المكتبة عام 1980م، منذ بدأت دراستي في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية، كنت حينها شغوفاً بالعلم، فقررت أن أؤسس مكتبة تُعينني في كتابة الأبحاث العلمية".

يقول بصوتٍ مفعم بالحنين: "أنشأت هذه المكتبة عام 1980م، منذ بدأت دراستي في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية، كنت حينها شغوفاً بالعلم، فقررت أن أؤسس مكتبة تُعينني في كتابة الأبحاث العلمية".

بين دفاتر وأوراقٍ نجت من الحريق، يبتسم الدكتور فلاح وهو يتأمل مكتبته التي رافقته منذ شبابه. يتذكر أولى خطواته في عالم البحث، ويقول: "كانت هناك مسابقة لمجلس الطلاب لكتابة أربعة أبحاث. اجتهدت وكتبت الأبحاث الأربعة بنفسي، وفزت بها بجوائز وشهادات قيّمة. ومنذ ذلك الحين أصبحت مكتبتي جزءًا لا يتجزأ من حياتي العلمية، ورفيقة دروسي ومحاضراتي".

ويضيف بتهنيدة موجعة، تستعيد مشاهد طويلة من السهر بين الرفوف والكتب: "المكتبة كانت جزءًا مني، كانت مثل أولادي وبناتي، وما بين تلك الرفوف ولدت أعمالي الأكاديمية الكبرى، فكانت شاهدة على جهد السنين وعرق الفكر".

يتوقف صوته قليلًا، ثم يكمل بحزنٍ عميق يأكل من داخله: "عندما علمت بقصف بيتي، شعرت بأن جزءًا مني ومن حياتي العلمية قد قُصف. كانت المكتبة والكتاب جزءاً من كياني، ولكل كتاب فيها قصة أعرفها جيدًا؛ فبعضها اشتريته من مصر، وبعضها من السودان، أو السعودية، أو الأردن. كنت كلما سافرت إلى بلد، عدت منها بمجموعة من الكتب القيمة". هكذا لم يكن الركام حجارة فقط، بل أعمارًا تُهدم.

ويتابع بعينين دامعتين: "عدتُ مع أحفادي إلى البيت المقصوف لأنقذ ما يمكن إنقاذه من تلك الكنوز التي لا يوجد مثلها في كل مكتبات القطاع. كنتُ أحاول أن ألتقط من بين الركام ما تبقى من عمري".

ويروي بابتسامة خفيفة لحظة العثور على بعض كتبه، كأن شعاعًا صغيرًا اخترق ظلمة الخراب: "بعد بحث مضنٍ مع أولادي وأحفادي، استطعنا الحصول على مجموعة من الكتب القيمة التي لا تُقدّر بثمن. هذه الكتب تعد من التراث العلمي للأجيال القادمة، وكنت أستخدمها في مساعدة طلبة العلم على إعداد أبحاثهم ورسائلهم للماجستير والدكتوراه". كانت تلك اللحظات بارقة ضوء في محيط من الخسارة.

"فقدان مكتبتي الكبيرة التي كانت تضم حوالي 20 ألف كتاب ومجلد ومجلة وصحيفة كان له أثر إنساني وثقافي عميق في نفسي. فقدت الرفيق والصديق الذي كان يؤنسني في ليالي البحث الطويلة".

ويضيف بأسى يغمر صوته كله: "فقدان مكتبتي الكبيرة التي كانت تضم حوالي 20 ألف كتاب ومجلد ومجلة وصحيفة كان له أثر إنساني وثقافي عميق في نفسي. فقدت الرفيق والصديق الذي كان يؤنسني في ليالي البحث الطويلة، لكني شعرت بفرحة كبيرة عندما وجدت بعض كتبي، لأنها تمثل لي جزءًا من حياتي العلمية التي ستبقى صدقة جارية بعد مماتي ينتفع بها طلاب العلم والمعرفة".

ورغم الألم، يعلو صوته بالأمل الذي يليق بقلوب العلماء: "غزة مدينة العلم والمعرفة، وستعود للحياة من جديد. سيعود الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم، وسينهض الجيل بجهود أساتذته ودكاترته، لتضيء غزة من جديد في مجالات الطب والهندسة والتربية والعلوم المختلفة. ستُعاد المكتبات التي دُمرت في الحرب إلى الحياة مرة أخرى، فالأمم التي تحمي كتبها، تحفظ روحها".

ويزيد: "رسالتي إلى العلماء والباحثين في كل مكان أن يساعدوا طلبة العلم والعلماء على العودة إلى مقاعد الدراسة، وأن تقدم المؤسسات الأكاديمية والمكتبية الدعم لمن فقدوا مكتباتهم في هذه الحرب الظالمة. نحن نحتاج لإعادة بناء مكتباتنا التي كانت ذاكرة الأمة ونبضها العلمي، وهذا حلمي بإعادة إحياء مكتبتي ولو ببعض الكتب الثمينة التي مزقتها الحرب".

كاريكاتـــــير