غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
منذ نعومة أظفارها، حفرت ماريا الفرا حلم "الدكتورة" في وجدانها. لم يكن هذا اللقب مجرد أمنية عابرة، بل غرسٌ متأصل أودعه والدها الراحل في قلبها، مُناديًا إياها به دائمًا، وراسمًا لها يقينًا بأنها ستكون حتمًا في مصاف المتفوقين. تروي ماريا، الحاصلة على معدل 98.3% في الفرع العلمي: "رحل والدي أثناء جائحة كورونا، لكن كلماته بقيت تحيطني، وتدفعني بكل قوة نحو التفوق".
"رغم هذه الفجائع المتتالية، لم أفقد البوصلة يومًا، ولم أتراجع عن تحقيق حلم عائلتي بأن أكون من المتفوقات في الثانوية العامة، كما كنت دائمًا".
لكن القدر لم يكتفِ بفقد الأب في لحظة كانت ماريا "في أمسّ الاحتياج لوجوده". فمع رياح الإبادة العاتية، لم يكن الفقد أمرًا واحدًا، بل سلسلة من الألم؛ حيث فقدت ماريا أمها وأربعة من أشقائها والكثير من الأقارب. ورغم هذه الفجائع المتتالية، تشهد ماريا: "لم أفقد البوصلة يومًا، ولم أتراجع عن تحقيق حلم عائلتي بأن أكون من المتفوقات في الثانوية العامة، كما كنت دائمًا".
أما يوم النتيجة، فقد كان "الأصعب" على قلبها الموجوع. "تمنيتهم جميعًا إلى جواري في هذه اللحظة المفصلية من حياتي. انتظرت حضن أمي، وقُبلة على الجبين من والدي وأشقائي. تخيلت تصفيق أمي وفخر أشقائي، لكنهم جميعًا رحلوا".
وبصوت خافت مثقل، تُفصح ماريا: "كل ما احتفظت به في ذاكرتي من ذكريات مع أفراد عائلتي الذين فقدتهم على فترات خلال الإبادة، كان دافعي الأول للاستمرار نحو "التوجيهي" بكل قوة، رغم سوداوية الواقع".
لم تكن الظروف الحياتية مهيأة لتُكمل ماريا عامها الدراسي. فبعد قصف منزل العائلة في وسط المدينة، عاشت في خيمة بـ"مواصي خانيونس" تعرضت هي الأخرى للقصف مرتين. كان الموت يتربص بها قريبًا، وفي كل مرة كانت تحدث نفسها: "يمكن أكون أنا الشهيدة الجاية، بس ما بدي أمشي قبل ما أحقق حلمي وحلمهم". ولكنه خطف أفراد عائلتها بدلاً منها: "أمي وشقيقتي وشقيقي".
وكحال كل الطلبة في قطاع غزة، عانت ماريا في تأمين الرزم الدراسية. لم تكن هناك كُتب أو إنترنت أو حتى كهرباء لشحن الهواتف، وكانت الرزم التعليمية تصل متأخرة، ما جعل الأمر غاية في الصعوبة. كان الخروج لشحن الهاتف "مخاطرة"، والمذاكرة داخل الخيمة معجونة بـ"رائحة البارود"، و"الخوف والتوتر كان رفيقي الدائم في ليالي الامتحانات الطويلة".
في يوم النتائج، بكت ماريا كثيرًا، فبينما كان الفرح يصدح في كل الخيام، كانت هي تبحث في الوجوه.. "عن أمي، عن شقيقي أحمد".
تؤمن ماريا أن العلم في جوهره "مقاومة": "لم يكن مسموحًا للفقد أن يعطلني، بل كان هو الدافع الأكبر لأُكمل المشوار وأحقق الحلم". وفي يوم النتائج، بكت ماريا كثيرًا، فبينما كان الفرح يصدح في كل الخيام، كانت هي تبحث في الوجوه.. "عن أمي، عن شقيقي أحمد"، تنتظر حضنهم الغائب. تقول ماريا: "كنت فرحانة، ولكنها كانت فرحة ينقصها الكثير".
























