شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م04:16 بتوقيت القدس

الاحتلال استهدف (112) مصدرًا للمياه العذبة بغزة..

عطشَى.. وفي كل رشفة ماءٍ رائحة "دم" وذاكرة "ألم"!

16 يوليو 2025 - 14:51

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

أول ما يفكر فيه الناس في صباحات الإبادة، تعبئة غالونات المياه؟ يتنفسون الحرب ويعدّون خطواتهم نحو أي نقطة تعبئة وكأنهم خلية نحل تبحث عن حياة وسط الرماد.

كل شيء في غزة صار جزءًا من المعركة، حتى الأطفال باتت لهم مهام لا تحتملها أعمارهم: يحملون تلك الغالونات فارغة بحثًا عن قطرة ماء، وهم يدركون تمامًا أن طريقهم قد يسبقهم إليها صاروخ، فيصل بهم مصيرهم شهداء أو جرحى.

في الثاني عشر من تموز/يوليو، انفجرت السماء في النصيرات. استهدفت الطائرات تجمعًا عند نقطة لتوزيع المياه فاستُشهد عشرة، بينهم ستة أطفال.

في الثاني عشر من تموز/يوليو، انفجرت السماء في النصيرات. استهدفت الطائرات الإسرائيلية تجمعًا للمواطنين عند نقطة لتوزيع المياه وسط المخيم، فاستشهد ما لا يقل عن عشرة أشخاص، بينهم ستة أطفال. كان سراج إبراهيم أحدهم، لم يكن يحمل سلاحًا.. فقط غالونًا صغيرًا من البلاستيك.

هرول والده به بين ذراعيه نحو المستشفى، ركَضَ بجسدٍ هزيل وعينين مثقلتين بسنوات الجوع والخوف. كان يصرخ، يترجى، يهمس لإبنه: "اصحى يا سراج، يمكن تكون حي!"، لكن الأطباء قالوا كلمتهم. "سراج شهيد". عاد به الأب مرة أخرى، ولكن هذه المرة ليجهّزه للدفن.

ذهب سراج إلى نقطة توزيع مياه. لم يصل حتى إلى لحظة التعبئة! اخترقت الشظايا جسده الصغير، وتحول حلمه البسيط إلى رقم جديد في عدّاد الموت.

"ما ذنبه؟" كان الرجل يرددها كلما توقفت قدماه عن الركض. "هل يعرف أحدكم ما ذنب الطفل ليقتلوه؟ كل ما كان يفعله هو الانتظار للحصول على الماء".

ذهب سراج إلى نقطة توزيع مياه تديرها جمعية خيرية في المنطقة، لم يصل حتى إلى لحظة التعبئة. اخترقت الشظايا جسده الصغير، وتحول حلمه البسيط إلى رقم جديد في عدّاد الموت.

في صباح اليوم ذاته، خرج غيث ماضي، ابن الثالثة عشرة من خيمته، يحمل غالون عائلته الفارغ. أمعاؤه الخاوية كانت تصدر أصواتًا أعلى من خطواته، لكنه مضى نحو نقطة التوزيع القريبة، فوجد نفسه فجأةً في قسم الطوارئ.

أمه تحكي وعيناها لا تكفّان عن النظر إليه في سرير مستشفى العودة في النصيرات: "يوميًا يقف في الطابور تحت الشمس. هذه مهمته، مثلما على أخوته جمع الحطب والبحث عن الطعام وغسيل الملابس. هذا هو جدولهم منذ نزحنا".

"كلما رأيت زجاجة ماء أو شعرت بالعطش، تعود ذاكرتي لتلك اللحظة. الماء صار هوَس، مش بس حياة".

تتذكر أمه لحظة القصف: "صرختُ فورًا، قلبي قال لي إنه غيث، ركضت نحو المكان، ووجدته مضرجًا بدمائه. عرفت قميصه، رغم أن الدم غطى جسده بالكامل".

يرتجف صوت غيث حين يتحدث، وكأنه لا يزال يعيش الضربة. يقول بصوت خافت: "كلما رأيت زجاجة ماء أو شعرت بالعطش، تعود ذاكرتي لتلك اللحظة. الماء صار هوَس، مش بس حياة".

لم تكن تلك الضربة الإسرائيلية حادثة منعزلة، بل جزء من مخطط. وفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي. "جيش الاحتلال استهدف 112 مصدرًا لتعبئة المياه العذبة، في هجمات خلّفت أكثر من 700 شهيد، غالبيتهم من الأطفال، ضمن ما وصفته السلطات بـ"حرب التعطيش الممنهجة" ضد المدنيين".

ويؤكد المكتب الإعلامي أن الاحتلال يستخدم الماء كسلاح إبادة جماعية، مجزرة تلو الأخرى، آخرها في "المخيم الجديد" شمالي غرب النصيرات، حيث قُتل 12 مواطنًا، بينهم 8 أطفال.

وأضافت البيانات الرسمية أن الاحتلال دمّر عمدًا 720 بئر مياه، وأخرجها من الخدمة، حارمًا بذلك أكثر من مليون وربع المليون شخص من المياه النظيفة. ومنذ 23 كانون الثاني/يناير 2025م، أوقف ضخ مياه "ميكروت"، المصدر الأخير الذي كان يغذي غزة، لتتعاظم المأساة.

ولا يقف الأمر عند الماء فقط، بل يشمل الوقود أيضًا. فقد منعت "إسرائيل" إدخال 12 مليون لتر من الوقود شهريًا، الكمية الضرورية لتشغيل الحد الأدنى من آبار المياه، ومحطات الصرف الصحي، وشاحنات النفايات، وكل البنية التحتية الأساسية للحياة.

في 9 آذار/مارس، قطعت الكهرباء عن آخر محطة تحلية مركزية تقع جنوبي دير البلح.. بذلك لم يعد القصف وحده الذي يقتل، بل العطش أيضًا.

وفي 9 آذار/مارس، قطعت الكهرباء عن آخر محطة تحلية مركزية تقع جنوبي دير البلح، وسط قطاع غزة، فتوقفت كميات كبيرة من مياه الشرب عن الوصول للناس. بذلك لم يعد القصف وحده الذي يقتل، بل العطش أيضًا.

في غزة، ليس للماء طعمٌ فقط، بل رائحة دم، وذاكرة ألم، وصوت أطفالٍ يحلمون بغالون لا يحمل موتًا في داخله. فكل قطرة باتت جزءًا من معركة، وكل صف انتظار قد يكون الطابور الأخير.

كاريكاتـــــير