شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م14:57 بتوقيت القدس

لهيب الحر وطوابير الماء.. لا أنشطة ولا حتى بحر..

صيفٌ "بلا ظل".. وطفولةٌ قُتلت تحت سقف خيمة!

14 يوليو 2025 - 15:06

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في أحد مخيمات النزوح، بدير البلح، وسط قطاع غزة، كان الطفل آدم (9 أعوام) يلهو بعلبة سردين فارغة، يجرّها بحبل صنعه من قميصه الممزق. وحين سألناه عن لعبته، أجاب بفخر: "سيارتي الجديدة". ثم أدار ظهره مسرعًا نحو خيمة جاره، حيث تجتمع مجموعة من الأطفال ليبدؤوا ما يشبه سباقًا على التراب الساخن.

آدم لم يدخل مدرسة منذ عامين. لم يعد يتذكر شكل السبورة، لكنه يعرف كيف يقيس طابور المياه بالكيلومتر، ويحسب عدد الأرغفة التي ستكفي عائلته ليومٍ جديد.

آدم لم يدخل مدرسة منذ عامين. لم يعد يتذكر شكل الكتاب أو السبورة، لكنه يعرف كيف يقيس طابور المياه بالكيلومتر، ويحسب عدد الأرغفة التي ستكفي عائلته ليومٍ جديد. في غيابه عن المقاعد الدراسية، صار الخبز هو المُعلم الوحيد، والماء البارد هو المكافأة الكبرى بعد مشوار شاق وسط الحرارة والخوف.

في خيمة أخرى، كانت حنين ياسين (11 عامًا) تساعد والدتها في ملء الأواني من صهريج الماء، لتتابع تنظيف الأواني، وكنس مدخل الخيمة، قبل أن تذهب لجمع الحطب من ركام البيوت المهدمة.

لم تجد الطفلة مكانًا لتكون فيه طفلة، بين مهام الكبار ونظرات الغرباء، في بيئةٍ مختلطة فقدت فيها العائلة أبسط أشكال الخصوصية. "أشتاق لباب غرفتي" همست حنين، "حتى لو كان من كرتون".

الصيف الثالث في النزوح لم يحمل لهؤلاء الأطفال سوى اتساع المساحات الخالية من الأمل. لا نوادٍ صيفية، لا بحر، لا نزهات، ولا حتى شجرة يافعة تظللهم. وتحت قماش الخيام الذي يحبس الحرارة نهارًا، ويتسلل منه البرد ليلًا، ينام الصغار على الأرض، وسط عائلات تئن من الجوع والموت البطيء.

أصبح محمد رجل البيت بعد استشهاد والده. يبيع البسكويت في الشارع ويقول: "المهم إخوتي ما ينامو جعانين".

أما محمد أبو كميل (13 عامًا)، فقد أصبح "رجل البيت" بعد استشهاد والده. يبيع البسكويت عند مفترق طرق قريب من المخيم، لا لشيء سوى ليُحضِر بعض الطحين لأمه. وحين سألناه عن احتياجاته، أشار إلى حذائه المثقوب وقال: "مش مهم أنا.. المهم ما أنام وإخوتي جعانين".

تعلّم محمد مفردات لم يكن من المفترض أن يعرفها طفل في مثل عمره: "كوبونات"، "بطاقة غذائية"، "طرد إغاثي"، وأيضًا "النجاة".

التقييمات النفسية لأوضاع أطفال غزة تشير إلى أن أكثر من 80% منهم يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وفق تقارير اليونيسف ومؤسسات الصحة النفسية المحلية.

أكثر من 80% منهم يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وفق تقارير اليونيسف ومؤسسات الصحة النفسية المحلية.

يُظهر الأطفال سلوكيات عنيفة، وتبلّدًا عاطفيًا، وميولًا للعزلة، مع غياب واضح لأي دعم نفسي منظم في المخيمات.
الاختلاط الحاد بين العائلات، وفقدان الخصوصية، وتحمّل الأطفال لمسؤوليات الكبار، كلها عوامل تُسرّع من فقدان الطفولة، وتُعمّق من أزمات الهوية والوعي لديهم.

عامان بلا مدارس، وصيف بلا حياة طبيعية، جعلوا من المخيمات ساحات لتآكل الزمن الطفولي. وحتى أصوات الضحك، إن وُجدت، فهي هشّة، مشروطة بعدم سقوط قذيفة، أو نفاد الخبز، أو غياب التيار الكهربائي.

هؤلاء ليسوا فقط أطفالًا نزحوا من بيوتهم، بل أجيال تتشكل في قلب الرماد، تحمل على أكتافها أعباء مرحلة لا تشبه طفولتهم ولا أحلامهم.

كاريكاتـــــير