غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"كيف يبدأ الحديث عن الشهداء؟ أنا لا أعرف. هل أخبركم أنها كانت ملاك رحمة وعامود منزلنا المتين؟ أريد أن أخبركم أكثر من ذلك، لكن قلبي لم يحتمل فكرة أنها لم تعد موجودة، أن أتحدث عنها بصيغة الماضي. هذه فرانس الفنانة والابنة البارة التي لا مثيل لها، يعرف الاحتلال من يختار، يعرف أن وجعنا بأبنائنا مضاعف، يختارهم وينتقيهم، هؤلاء زينة أبناء غزة وبناتها، وابنتي صارت واحدة منهم".
كلمات جاءت على لسان أم الشهيدة فرانس السالمي، وهي فنانة فلسطينية قضت في مجزرة "الباقة" التي وقعت في الثلاثين من يونيو/حزيران لعام 2025م، وأسفرت عن استشهاد أكثر من ثلاثين فلسطينيًا، بينهم الصحفي إسماعيل أبو حطب، حين قصفت طائرات الاحتلال أحد أشهر الاستراحات على شاطئ بحر غزة.

تقول أمها إن "فرانس بدت حزينة في ذلك اليوم، أخذت تنظر إلى وجهها بطريقة غريبة كأنها تودّعها دون أن تصرح، كأنها شعرت بموتها. ففي آخر ليلة اجتمعت فيها بعائلتها، أخبرتهم أن سفرها قريب. "ربّما هذا السفر الذي تحدثت عنه؟" تتساءل.
في الإبادة، تبدأ الفنانة يومها بشرب كوب من الشاي بالنعناع تعدّه أمها، تتجول في زوايا البيت، تتصفح هاتفها إن استطاعت الحصول على الإنترنت، ثم تحدد وجهتها للانطلاق إلى عملها.
خرجت فرانس في زيارة عمل سريعة، بينما كان بعض الضيوف في منزل العائلة، ثم سُمع صوت صاروخ مميّز. دارت نقاشات حول ما إذا كان استهدف خيمة أم منزلًا.

تقول الأم: "عرفته، قلت لهم هذا مش صاروخ على بيت، هذا خيمة. لكن بناتي قالوا لا، شكله لعمارة سكنية، دعينا نصعد إلى السطح لمشاهدة المكان".
صعدت شقيقاتها إلى سطح المنزل لرؤية موقع القصف، فصُدمن أنه استهدف استراحة "الباقة" المواجهة لهن. أخبرن أمهن، فصرخت: "فرانس استشهدت".
في ليلتها الأخيرة، نظرت إليها وقالت مجددًا: "يمه قرّب موعد سفري"، ولم تكن تعلم أن الرحيل الذي قصدته كان أبعد من كل المطارات.
تتابع: "اتصلنا على هاتفها عشرات المرات دون جدوى، حتى رد شاب لا نعرفه، وقال: صاحبة هذا الرقم استشهدت".
فرانس -وفقًا لأمها- لم تكن فتاة عادية يومًا، كانت فنانة ترسم آلام الناس وتجسّد معاناتهم. وفي إحدى المرات، عندما انتبهت الأم لرسمة كفن، سألتها: "ألم تجدي غير الكفن لترسميه يا فرانس؟"، ردت: "يمّه، إحنا في حرب، ولازم نرسمها".
رسمت الأطفال، أحلامهم، وأوجاعهم. كانت تؤمن أن الفن رسالة، وأن معاناة غزة لا يجب أن تمرّ بصمت. كانت تحلم بالسفر منذ طفولتها، وكانت أمها ترفض فراقها دائمًا. في ليلتها الأخيرة، نظرت إليها وقالت مجددًا: "يمه قرّب موعد سفري"، ولم تكن تعلم أن الرحيل الذي قصدته كان أبعد من كل المطارات.
شبكة نوى، فلسطينيات: فرانس كانت روح الحيّ، كل الأطفال يعرفونها، كانت تملأ جيوبها بالحلوى وتوزعها في الطريق. اليوم، ترقد فرانس تحت التراب، ولوحاتها ما زالت تنطق بالحياة.
في وصفها، تزيد أمها أن فرانس كانت روح الحيّ، كل الأطفال يعرفونها، كانت تملأ جيوبها بالحلوى وتوزعها في الطريق.
اليوم، ترقد فرانس تحت التراب، ولوحاتها ما زالت تنطق بالحياة. تؤكد والدتها: "لا نريد الهجرة ولا السفر. نريد فقط أن تتوقف الحرب، أن يتوقف هذا الدم، ونبقى على أرضنا، وألا تتوجع المزيد من الأمهات تحت جحيم الإبادة هذا".
























