شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م01:56 بتوقيت القدس

انهيارات نفسية في طريق التعافي..

قذائف "نائمة".. شوّهت وجه الطفولة بغزة!

06 يوليو 2025 - 13:05
الطفل محمد حجازي بعد إصابته بعينيه
الطفل محمد حجازي بعد إصابته بعينيه

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في صباح بدا عاديًا، خرج محمد حجازي، ذو السبعة أعوام، من بيته في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، ليلعب مع أقرانه كما اعتاد قبل الحرب، لكنه لم يكن يعلم أن لحظة اللعب ستتحوّل إلى مأساة؛ انفجار مفاجئ لقنبلة من مخلفات قصف إسرائيلي أفقده إحدى عينيه، وترك الأخرى بين احتمالات ضئيلة للشفاء.

في جنوبي القطاع، وتحديدًا في منطقة الزنة شرقي خانيونس، كان محمد سمور (14 عامًا) يعيش لحظات مشابهة. أثناء اللعب، صادف جسمًا معدنيًا غريبًا، لم يكن يدري أنه قاتل. انفجر ذلك الجسم تحت قدميه، ففقد ساقيه وجزءًا من ذراعه.

لم يعلم محمد حجازي أن لحظات لعبه ستتحول إلى مأساة. انفجار مفاجئ لقنبلة من مخلفات الاحتلال أفقدته إحدى عينيه وترك الأخرى بين احتمالات ضئيلة للشفاء.

نجا الطفلان من الموت، لكن ما تبقى كان أصعب من لحظة الانفجار نفسها.

في حديثه عن تلك اللحظات، يروي خالد حجازي، والد محمد، كيف هرع إلى مكان الانفجار ليجد طفله غارقًا في دمائه، مؤكدًا أن الأطباء اضطروا لاستئصال إحدى عينيه فورًا، بينما أبقوا على الأخرى على أمل التحسن، "لكنها لا تُبصر إلا بنسبة بسيطة" يقول.

ويؤكد الوالد أن الألم الأكبر ليس في الإصابة الجسدية، بل فيما طرأ على شخصية ابنه، الذي بات يخشى الظلام ويصر على النوم بين والديه، ممسكًا بأيديهما كمن يبحث عما تبقى من أمان. لا يقبل الابتعاد عن والدته للحظة، وينهار إذا لم يشعر بوجودها.

في المقابل، اختار محمد سمور الصمت كملاذ من نظرات الآخرين. منذ لحظة إصابته، أغلق على نفسه باب غرفته، ورفض استقبال أي زائر. يغطي وجهه حين يدخل أحدهم إليه، بينما تشير والدته إلى أن طفلها لا يتحمل نظرات الشفقة، ويرغب فقط أن يُنسى ما حدث، وأن لا يتعامل معه أحد وكأنه محطم.

بدورها، توضح الأخصائية النفسية رهام عمران أن الأطفال الناجين من إصابات الحرب لا يخرجون منها سالمين نفسيًا، بل يحملون ندوبًا داخلية تعادل -إن لم يتجاوزوها- الجراح الجسدية.

في حالة محمد حجازي، تظهر علامات "التعلّق المرضي"، وهو نمط نفسي يجعل الطفل يخشى الانفصال عن والديه بعد تعرضه لصدمة حادة -كما تشرح، مشيرةً إلى أن الطفل قد لا يفهم تمامًا ما حدث، لكنه يشعر أن شيئًا مرعبًا أخذه فجأة من عالمه المألوف، لذلك يتمسّك بوالدته كأنها مصدر الحياة الوحيد.

حالة محمد سمور فتندرج تحت إطار العزلة النفسية، الناتجة عن الشعور بالخسارة الجسدية، إذ يبدأ الطفل برؤية نفسه ككائن "مختلف"، غير مرغوب فيه، أو مكسور.

أما حالة محمد سمور فتندرج تحت إطار العزلة النفسية، الناتجة عن الشعور بالخسارة الجسدية، إذ يبدأ الطفل برؤية نفسه ككائن "مختلف"، غير مرغوب فيه، أو مكسور.

وتضيف عمران: "هذا النوع من العزلة، إن تُرك دون تدخل متخصص، يمكن أن يتحوّل إلى اضطرابات مزمنة في المستقبل، منها الاكتئاب الحاد، وفقدان الثقة بالنفس، أو حتى الميول الانتحارية في مراحل المراهقة".

في الخلفية، تستمر مخلفات الحرب في نشر الخطر. محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني، يصف الواقع بـ"الخطير"، ويشير إلى أن القنابل غير المنفجرة منتشرة بكثافة في المخيمات والمناطق السكنية، غالبًا ما تكون مدفونة تحت الأنقاض أو في محيط المنازل المدمرة، ما يجعل الأطفال الضحايا الأوائل أثناء اللعب أو التنقل.

"طواقم الدفاع المدني تعمل في ظروف بالغة الخطورة بسبب تهديدات الاحتلال، الذي يستهدف طواقم هندسة المتفجرات، ويمنع دخول المعدات اللازمة لتعطيل الذخائر".

ويتابع: "طواقم الدفاع المدني تعمل في ظروف بالغة الخطورة بسبب تهديدات الاحتلال، الذي يستهدف طواقم هندسة المتفجرات، ويمنع دخول المعدات اللازمة لتعطيل الذخائر".

ويكشف بصل أن 90% من البلاغات التي تصل الدفاع المدني من المواطنين حول أجسام مشبوهة لا يمكن التعامل معها، نتيجة ضعف الإمكانيات، ما يجبرهم على تأجيل الاستجابة رغم معرفتهم بالمخاطر الحقيقية، مؤكدًا أن ما جرى مع الطفلين محمد حجازي ومحمد سمور قد يتكرر في أي لحظة.

ورغم تزايد عدد الإصابات النفسية والجسدية في صفوف الأطفال، فإن نظام الدعم النفسي في غزة هش وغير كافٍ. تشير التقارير إلى أن اليونيسف تدير 12 مركزًا تقدم من خلالها خدمات نفسية أولية للأطفال المتضررين، لكنها لا تغطي سوى جزء بسيط من المناطق المتضررة، ولا تفي بالاحتياج المتزايد في ظل استمرار الحرب.

تقرير أممي مشترك كشف عن أن حجم الركام في غزة يتجاوز ما خلّفته الحروب السابقة مجتمعة، وأن هذا الركام يحتوي على ذخائر غير منفجرة ومواد مسرطنة كالأسبستوس

تقرير أممي مشترك كشف عن أن حجم الركام في غزة يتجاوز ما خلّفته الحروب السابقة مجتمعة، وأن هذا الركام يحتوي على ذخائر غير منفجرة ومواد مسرطنة كالأسبستوس، مما يعني أن الخطر لا يتوقف عند الانفجار فقط، بل يمتد إلى البيئة والصحة العامة لعقود مقبلة.

وبينما لا يزال محمد حجازي ومحمد سمور يحاولان التكيّف مع عالم لا يشبه ما عرفاه، تبقى قصتهما مفتوحة على احتمالات كثيرة. فالإصابة ليست نهاية الطريق، بل بداية معركة جديدة مع الذات والمجتمع.

في غزة، لا يطلب الأطفال الناجون من الحرب سوى أن يُمنحوا فرصة للشفاء، جسديًا ونفسيًا، وأن يُعاملوا كمن يستحق الحياة، لا الشفقة.

كاريكاتـــــير