شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م01:56 بتوقيت القدس

نساء حملن معهن أوجاعهن وذنب النجاة..

مغتربة.. و"الروح" عالقة تحت ركام الحرب!

15 يونيو 2025 - 13:04
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

أجسادهنّ الآن في أمان، لكن أرواحهنّ لا تزال عالقة تحت الركام. في الوقت الذي تتواصل فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة للشهر التاسع عشر على التوالي، تحمل آلاف النساء اللواتي اضطررن للسفر طلبًا للنجاة أوجاعهن وحدهن. لقد وجدن أنفسهن فجأةً في مواجهةٍ مع نوعٍ آخر من الألم: ألمٌ لا يُرى، يتغلغل في الروح وتصعب مداواته.

إسراء شحادة، واحدة من أولئك النازحات إلى الخارج، تقيم اليوم في القاهرة، وتحمل بين طيّات صوتها المبحوح صراعًا داخليًا لا يهدأ. تقول: "أشعر بألم كبير في داخلي. تركت بيتي وكل شيء أعرفه خلفي، لكن ما زلت أسمع أصوات الانفجارات في ذهني. أحيانًا أشعر أنني لم أنجُ حقًا، وأن روحي ما زالت تحت القصف. لا أنام جيدًا، والكوابيس تلاحقني في كل ليلة".

"بعد أن وصلت إلى مكان آمن، لم تنتهِ المعاناة، بل استمرت في داخلي، خاصة مع الأخبار التي تصلني عن الأحباب الذين فقدتُهُم".

كلمات إسراء تكشف جانبًا خفيًا من معاناة الناجيات؛ فالمسافة الجغرافية عن غزة لم تكن كافية لانتزاع الخوف من أعماقهنّ. الغربة عن الوطن تتضاعف حين تمتزج بالذنب، "أشعر بأنني في عالم مختلف، لا يفهمني أحد حقًا. أشعر بالذنب لأنني نجوت بينما تركت عائلتي هناك"، تضيف بصوتٍ يرتجف.

وفي الإمارات، تحاول هَنا عوض أن تتجاوز معاناتها، لكنها ما زالت عالقة بين الذاكرة والواقع. تقول: "كانت تجربة مفجعة أن أترك وطني وأهلي، رغم أنني كنت أشعر وكأن جزءًا مني يتقطّع مع كل انفجار. وبعد أن وصلت إلى مكان آمن، لم تنتهِ المعاناة، بل استمرت في داخلي، خاصة مع الأخبار التي تصلني عن الأحباب الذين فقدتُهُم".

تشير هَنا إلى أن المعاناة النفسية تتفاقم مع قلة الدعم النفسي، وتقول: "الكثير من النساء لا يجدن من يستمع لهن، ويفضلن الكتمان خوفًا من وصمة العار أو ضعف الشخصية". الصمت إذًا لا يعني السلام، بل هو شكل آخر من الألم، يتسلل ببطء ويثقل الروح.

وتؤكد الأخصائية النفسية تحرير صافي، المقيمة في تركيا، أن هذه المشاعر ليست نادرة، بل شائعة بين النساء اللواتي عشن الحرب. تقول: "الأعراض التي تظهر بعد النجاة من الصراع تشمل اضطرابات النوم، والقلق المستمر، واضطراب ما بعد الصدمة، وتأنيب الضمير بعد النجاة".

وتوضح أن الانفصال القسري عن البيئة المألوفة يزيد من تعقيد الشفاء النفسي، وتضيف: "النساء يشعرن بأنهن في حالة تأهب دائم، لا يثقن بأنفسهن أو بيئتهن الجديدة، وهذا يعيق عملية التعافي".

"النزوح لا يعني فقط فقدان المنزل، بل فقدان الشعور بالأمان، وهو ما يهدد الاستقرار النفسي ويولّد اضطرابات حادة".

المشكلة لا تقف عند غياب الرعاية النفسية فقط، بل في عدم مواءمتها لطبيعة الظروف، كما تشير صافي: "هناك حاجة ملحة لتوفير خدمات نفسية متخصصة تراعي خصوصية كل حالة، وتعمل على تقديم الدعم المستمر، لا المؤقت".

وتلفت إلى أن النزوح لا يعني فقط فقدان المنزل، بل فقدان الشعور بالأمان، وهو ما يهدد الاستقرار النفسي ويولّد اضطرابات حادة.

الضغوط النفسية لا تأتي منفصلة عن المجتمع. ففي دول النزوح، تواجه النساء النازحات تحديات مضاعفة، تتراوح بين التفكك الأسري، والضغط الاقتصادي، وغياب الدعم المجتمعي الكافي. كما أن النظرة المجتمعية لهنّ قد تضيف أعباءً جديدة، إذ تواجه بعضهنّ وصمات تقيّد تعبيرهنّ عن الألم وتحرمهنّ من طلب الدعم.

تلك الشهادات تعكس بوضوح أن معاناة النساء النازحات لا تتوقف عند حدود الهروب من الخطر الجسدي، بل تبدأ مع بداية الغربة، وتُعمّقها مشاعر الفقد والذنب والخوف، وتحتاج إلى أكثر من مجرد وقت لتزول.

المعاناة النفسية التي تعيشها النازحات الفلسطينيات، سواءً في مصر أو الإمارات أو غيرهما، ليست مسألةً شخصية بل أزمة إنسانية بامتياز. ومع أنهنّ عبرن جغرافيا الخطر، فإن الألم لم يغادرهنّ. ولا بد من تدخلٍ جاد من المؤسسات الحكومية والدولية لتوفير دعمٍ نفسيٍ مستمرٍ ومخصص، يعالج الجراح التي لا تُرى، ويساعد على استعادة التوازن النفسي وبناء حياة جديدة، تبدأ من الداخل ولا تركز على الخارج فقط.

كاريكاتـــــير