غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على قطعة إسفنج مهترئة داخل خيمتها في مخيم النزوح، قرب حي النصر، غربي مدينة غزة، تجلس أم محمود فودة، تراقب شمس الظهيرة وهي تشتد حرارتها وتلسع أطراف خيمتها المصنوعة من قماش رقيق لم يعد يقاوم شيئًا.
تغمر أم محمود، وهي أم لخمسة أطفال، وجهها بخرقة مبللة بالماء، ثم تضعها على رأس صغيرتها "هبة" ذات الثلاثة أعوام. وتقول لـ"نوى": "كنا نظن أن الشتاء هو أصعب ما سنواجهه.. لكن الصيف؟ الصيف قد يقتلنا".
ويعيش النازحون في قطاع غزة حالة من القلق المتصاعد مع دخول فصل الصيف والارتفاع التدريجي لدرجات الحرارة، خشية مما سيحمله من معاناة تُضاف على أكثر من عامٍ ونصف من الحرب والجوع.

فودة، التي نزحت من حي الزيتون شرقي مدينة غزة قبل 11 شهرًا بعد أن سُوي منزلها بالأرض، لم تكن تتخيل يوما أنها ستقضي شهورًا طويلة في خيمة، بلا كهرباء، بلا مروحة، ولا أي أداة بسيطة تقيها حرارة صيف غزة الحارقة.
وتسرد معاناتها: "مع قرب ذروة الصيف تصبح خيمتي حارة أكثر فأكثر. لا هواء، لا ظل، لا كهرباء. ابني الصغير أصيب بجفاف الأسبوع الماضي، والطبيب قال لي: عليكم بتبريده... لكن بماذا؟! بمروحة لا تعمل؟ أم ببطارية انتهت صلاحيتها؟!".
قبل الحرب، كانت تمتلك بطارية صغيرة تستخدمها لتشغيل مروحة متنقلة، لكنها تعطلت منذ شهور. حاولت شراء أخرى مستعملة، لكن الأسعار صارت خيالية، تخبرنا: "عرض عليّ أحدهم بطارية شبه تالفة بـ600 شيكل... قلت له: والله لو بعت ما أملكه من مصاغ، لن أستطيع شراءها. نحن نعيش اليوم على الخبز والعدس".
وتظن أم محمود أن الطاقة الشمسية كان من الممكن أن تمثل خلاصًا، لكنها الآن تلعن كل من يروج لها -كما تعبّر- "كانوا يقولون لنا: الشمس نعمة، وأنها ستمدنا بالطاقة. لكن شمسنا اليوم نار، وسعر اللوح الشمسي صار 9000 شيكل! هذه ليست طاقة، هذه خيبة أمل".
صيف بلا هواء
كان يوسف أبو حبل (39 عامًا) ينشغل في تثبيت قطعة قماش سميكة فوق السقف المصنوع من النايلون في مخيم إيواء غربي مدينة غزة، آملاً أن تخفف ولو قليلًا من حرارة الشمس التي تخترق الخيمة كل يوم.
يقول لـ"نوى": "الصيف الماضي كان جحيمًا. أطفالي الثلاثة أُصيبوا بطفح جلدي وحكّة مستمرة، ولم نكن نجد الماء البارد ولا المراوح ولا حتى الكهرباء لنساعدهم على النوم".
أبو حبل الذي نزح من مخيم الشاطئ بعد تدمير منزله في الحرب الأخيرة، يعيش منذ أكثر من 4 أشهر في هذه الخيمة مع زوجته وأطفاله. خلال الصيف الماضي بلغت حرارة الخيمة حدًا لا يُطاق. يخبرنا: "الحرارة داخل الخيمة كانت تصل إلى 45 درجة مئوية وقت الظهيرة. ابني الصغير وعمره 4 سنوات، كان يصرخ ليلاً من الحكة. أخذته إلى طبيب ميداني فقال لي: هذه التهابات ناتجة عن التعرق المفرط وقلة النظافة والتهوية".
"نحاول أن نغسل أجساد الأطفال عدة مرات في اليوم، لكن المياه شحيحة، ولا توجد وسيلة لتبريد الخيمة. أحيانًا نبلل قطع القماش ونمسح بها أجسادهم لتخفيف الحرارة، ولكن بلا فائدة".
ويتابع أبو حبل: "نحاول أن نغسل أجساد الأطفال عدة مرات في اليوم، لكن المياه شحيحة، ولا توجد وسيلة لتبريد الخيمة. أحيانًا نبلل قطع القماش ونمسح بها أجسادهم لتخفيف الحرارة، ولكن بلا فائدة".
وأشار إلى أنه حاول تركيب نظام طاقة شمسية بسيط لتشغيل مروحة صغيرة داخل الخيمة، لكن الأسعار كانت صادمة: "طلبوا مني 800 دولار على نظام متهالك لا يكفي لتشغيل مروحة ومصباح"، متسائلًا: "من وين أجيب المبلغ؟ حتى لو جمعت المبلغ، بعد شهرين أو ثلاثة يتعطل الجهاز، وما في حدا يصلّحه".
وفي ظل الانهيار المتواصل للبنية التحتية في قطاع غزة، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يوميًا، أصبحت أنظمة الطاقة الشمسية الخيار الوحيد أمام العائلات، لكنها مكلفة وبعيدة عن متناول معظم النازحين.
ينظر أبو حبل نحو أطفاله الذين يلعبون تحت شجرة قريبة، ثم يقول بأسى: "أخاف من هذا الصيف أكثر من أي وقت. لا أريد أن أرى ابني يحكّ جلده حتى ينزف، أو ابنتي تبكي كل ليلة لأنها لا تستطيع النوم من الحرارة".
ويضيف: "نحن نعيش بين الرمل والنايلون، لا ظل، لا كهرباء، لا ماء بارد. ماذا ننتظر من صيف غزة؟ كأننا نعيش في فرن".
من نار الخيمة إلى ملوحة البحر
وحين بدأ الجو يشتد حرارة مع نهايات شهر مايو، لم ينتظر إسماعيل خليل (44 عامًا) مزيدًا من المعاناة لأطفاله، ففكك خيمته من حي الزيتون شرقي مدينة غزة، ووضعها على عربة يجرها حمار، قاصدًا شاطئ البحر غربًا، في رحلةٍ قطعها على مدار يومين مع زوجته وخمسة أطفال.
يقول خليل وهو يجلس أمام خيمته الجديدة المنصوبة قرب حي الرمال، وسط مدينة غزة لـ"نوى": "ما ظل فينا طاقة. في حي الزيتون كانت الخيمة تتحول إلى فرن، وولادي صاروا يصرخوا من الحرارة. ما عندنا مراوح، ما في كهرباء، قلت بنقلهم على البحر، يمكن نلقى نسمة هوى".
"فكرت إنه الهوا والبحر حيساعدونا نرتاح. لكن صار العكس. أطفالي نزلوا البحر أكثر من مرة، وبعد أيام بلشت تطلع عندهم تقرحات جلدية غريبة، جلدهم صار يحمرّ ويقشر".
خليل الذي نزح من حي الشجاعية بعد قصف منزله، يقول: "العام الماضي كان الأصعب، إذ أصيب أطفالي بضربات شمس متكررة داخل الخيمة، خصوصًا مع انقطاع الكهرباء طوال النهار، وتكدس الخيام في أماكن مكتظة بالغبار والمياه الراكدة".
لكن تجربته الجديدة على البحر لم تكن كما تخيل "فكرت إنه الهوا والبحر حيساعدونا نرتاح. لكن صار العكس. أطفالي نزلوا البحر أكثر من مرة، وبعد أيام بلشت تطلع عندهم تقرحات جلدية غريبة، جلدهم صار يحمرّ ويقشر".
أشار خليل إلى أن طفله الأوسط، سليم (7 سنوات)، يعاني الآن من تقرحات في الظهر والذراعين، مع التهابات مؤلمة، رغم محاولات الأم لتغطية جسمه بملابس قطنية أو وضعه في الظل. يعلق: "البحر مش حل، بس إحنا ما إلنا غيره. شو أعمل؟ عندي خمس أرواح، وبلا شمسية، بلا تبريد، بلا دواء، والناس حوالينا كلها تعبانة".
أنظمة الطاقة تحتضر
ويؤكد المهندس خميس سهمود، خبير أنظمة الطاقة الشمسية في مدينة غزة، أن أوضاع أنظمة الطاقة لدى النازحين، بل وفي القطاع عمومًا، وصلت إلى مستوى الانهيار الكامل منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م.
ويقول: "نحن لا نتحدث فقط عن نقص في مصادر الطاقة، بل عن موت بطيء لكل ما تبقى من أنظمة بديلة كانت تسعف السكان في أزمات الكهرباء".
وأوضح أن جميع الألواح الشمسية والبطاريات وأجهزة التحويل المتوفرة في السوق قديمة ومهترئة، وقد تجاوزت عمرها الافتراضي، مع انعدام أي إمكانية لتجديدها أو صيانتها بشكل صحيح.
"منذ بداية الحرب، لم تدخل إلى غزة أي معدات جديدة للطاقة الشمسية. لا ألواح، لا بطاريات، لا كابلات، ولا محولات. وهذا يعني أن كل ما يعمل اليوم يعمل بأعجوبة، وقد ينهار في أي لحظة".
"منذ بداية الحرب، لم تدخل إلى غزة أي معدات جديدة للطاقة الشمسية. لا ألواح، لا بطاريات، لا كابلات، ولا محولات. وهذا يعني أن كل ما يعمل اليوم يعمل بأعجوبة، وقد ينهار في أي لحظة"، يضيف سهمود.
ويُقدّر سهمود أن نحو 80% من البطاريات في الاستخدام حاليًا باتت "متعطلة" تمامًا، أي لا تقبل الشحن أو تفرغ خلال دقائق. أما البطاريات التي لا تزال تعمل بنسبة بسيطة فهي نادرة، ويصفها بـ"البطاريات التي لا تزال فيها روح"، قائلًا: "عندما أزور المخيمات أو البيوت، أجد الناس يتمسكون ببطارياتهم كما يتمسك الغريق بلوح خشب. لكنها في الحقيقة لم تعد تنفع، وما عادت قادرة حتى على تشغيل مصباح صغير أو مروحة لمدة نصف ساعة".
ويحذر سهمود من صيف شديد القسوة قد يهدد حياة الآلاف، خاصة في ظل غياب أي بوادر لحل جذري أو دخول لمعدات جديدة.
























