شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م22:47 بتوقيت القدس

1500 شخص غالبيتهم نساء وأطفال..

"نفقٌ مظلم".. المشهد كما يصفه "فاقدو البصر في الإبادة"!

14 مايو 2025 - 09:34

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

داخل زاوية ضيقة من مكان كان في السابق محلًا لبدلات الزفاف، يجلس علي أبو حليمة (10 أعوام) وشقيقته فاطمة (6 أعوام) بجوار والدهما "أحمد".

في ذلك الملجأ المؤقت، وبعد أن فقدت العائلة منزلها وكل ما تملك بسبب الحرب المستمرة على القطاع، يعيش الطفلان اليوم، في عالمٍ خالٍ من الألوان، بعدما أفقدتهما الحرب الإسرائيلية على القطاع، أعز ما يملكان، نعمة البصر.

يقول علي بصوت خافت: "آخر ما رأيته كان رغيف خبز وعلبة مربى على طاولة سحور رمضان وبعدها، لا شيء".

حدث ذلك بتاريخ 20 آذار/ مارس 2025م، حين سقط صاروخ إسرائيلي على المنزل الذي لجأت إليه العائلة في مدينة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، بعد رحلة نزوح استمرت 17 شهرًا لمدن ومناطق الجنوب. استشهدت الابنة الكبرى ملك (18 عامًا)، وأصيب "علي" و"فاطمة" إصابات مباشرة في عيونهما، بينما تعرض والدهما لشظايا أدت إلى كسور في جسده وجروح غائرة في جسده.

ذكرى محفورة

بعد استيقاظه في مجمع الشفاء الطبي لم يكن "علي" قادرًا على الرؤية، فقد عينه اليمنى تمامًا، وتبيّن لاحقًا أنه بحاجة إلى عمليات دقيقة في العين اليسرى التي بالكاد يرى بها.

ويقول وهو يمسك بيد شقيقته الصغيرة، التي باتت هي الأخرى ضريرة: "أشعر كأنني أعيش داخل نفق، لا أرى الوجوه، ولا حتى الضوء".

وعلى مقربة من "علي" تجلس والدته وتضيف بألم: "ابنتي فاطمة، أصيبت بمياه زرقاء في عينيها، وهي مهددة بفقدان البصر بالكامل إذا لم تُجرى لها عملية عاجلة"، مردفة بحسرة: "كانت تركض وتلعب.. الآن تجلس وحيدة وتخاف من أي صوت، ولم تعد ترى، ولا تشعر بالأمان".

عزلة مبكرة

وتتابع الأم بحزن: "تغيرت حياة الطفلين بالكامل، "علي" الذي كان يحب لعب الكرة لم يعد يتحرك دون مساعدة، و "فاطمة" التي كانت تملأ البيت ضحكًا، أصبحت ترفض الخروج أو التفاعل مع الأطفال. بات الاثنان يفضلان العزلة ويجلسان بصمت، وكأنهما داخل عالم لا يشبه عالمنا".

وما يزيد الوضع مأساوية هو أن والدهما، الذي أصيب بكسر في ساقه اليمنى، ويده اليسرى، لا يستطيع التنقل بسهولة، ويعيش هو الآخر ألمًا جسديًا ونفسيًا مزدوجًا. يقول بصوت متقطع: "كل ما أريده هو أن أرى أولادي يركضون ويلعبون من جديد.. أريد لـ"علي" أن يرى، ولـ"فاطمة" أن تبصر".

ويئن قطاع غزة، تحت عبء الحصار والدمار، خاصة في المجال الصحي، فمستشفى العيون يفتقر للمعدات والأدوية الأساسية، بحسب الدكتور عبد السلام صباح، مدير مستشفى العيون في غزة، الذي أكد أن نحو 5 آلاف مريض مهددون بفقدان البصر، في حين فقد 1500 شخص بالفعل قدرتهم على الإبصار، أغلبهم من الأطفال والنساء.

وبالعودة إلى والد الطفلين، فإنه يضيف: "لا نملك سوى المسكنات، والعمليات الدقيقة غير متوفرة، والأمل الوحيد هو السفر للعلاج بالخارج، لكن حتى ذلك غير متاح وسط الإغلاق التام للمعابر".

صراخ في العتمة

وتستغيث والدة الأطفال قائلة: "أنقذوا بصر أطفالنا، علي بحاجة إلى زراعة عين صناعية، وعملية دقيقة في العين اليسرى، وتحتاج فاطمة إلى إزالة المياه الزرقاء بشكل عاجل"، لكن كل ذلك يبدو بعيد المنال في غزة، حيث تتكسر الأحلام على عتبات الحصار والحرب الضروس التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على القطاع، منذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023م.

"عندما استُهدف منزلي تطايرنا في الهواء، شعرت أني لن أعيش، لكنني استيقظت وأنا أُنقل بشاحنة إلى المستشفى الأندونيسي شمالي القطاع، وعلى صوت ابني عمر وهو يقول لي "ملك استشهدت".

ويقول والدهم: "ليلة القصف كنا نستعد للهروب من المنزل بعد أن تم استهداف بيت شقيقي المجاور، فاستشهد أخي وزوجته وأطفاله، وعندما استُهدف منزلي تطايرنا في الهواء، شعرت أني لن أعيش، لكنني استيقظت وأنا أُنقل بشاحنة إلى المستشفى الأندونيسي شمالي القطاع، وعلى صوت ابني "عمر" وهو يقول لي "ملك استشهدت".

ويتابع الأب حديثه قائلًا: "بعد ساعات من البحث، وجدت زوجتي ابننا علي تحت الأنقاض، ينزف بشدة، وقد نقلوه على شاحنة بعد أن وضعوه في مقدمة المركبة، لعدم توفر سيارات إسعاف".

وجع لا يُرى

ويقول د.درداح الشاعر، أستاذ علم النفس السابق في جامعة الأقصى: "إن الطفل الذي يفقد بصره يعيش عزلة نفسية قاسية.. يميل للانطواء، وقد يصاب بأعراض تشبه التوحد، وهذا يؤثر على شخصيته ومستقبله كله".

"الطفل الذي يفقد بصره يعيش عزلة نفسية قاسية.. يميل للانطواء، وقد يصاب بأعراض تشبه التوحد، وهذا يؤثر على شخصيته ومستقبله كله"

وأضاف الشاعر: "المجتمع مطالب بدمج هؤلاء الأطفال، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والتقني لهم، لا أن يُتركوا للظلام. يجب الوقوف إلى جانبهم والأخذ بأيديهم ودمجهم في المجتمع".

ورغم كل الألم، لا يزال الأمل يعيش في كلمات الأم، وهي تردد: "الله لن يخذلنا، نرجو من أصحاب الضمائر في العالم أن يلتفتوا إلينا، فقط نريد أن يعود النور لعيون أولادنا، وتنتهي الحرب".

ليست هذه قصة عائلة واحدة فقط، بل قصة آلاف في غزة ممن فقدوا نور أعينهم، ومعه جزءًا من طفولتهم وحياتهم، فهل من ضوء في نهاية هذا النفق المعتم!؟

كاريكاتـــــير