غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على عتبة ما تبقى من منزله المدمر جزئيًا في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يجلس آدم أبو بكر (١٢ عامًا) على كرسيه المتحرك، يحدق في حذائه الوحيد، بينما في الأخرى لا يرى إلا الفراغ.
يشغل الطفل نفسه بمشاهدة أقرانه من أطفال حارته، يركضون ويلعبون كرة القدم، وضحكاتهم تملأ المكان، وتغطي على هدير طائرات الحرب التي تملأ سماء المدينة.
قبل أشهر قليلة، كان آدم يركض معهم خلف الكرة في الحارة، يضحك بصوتٍ عالٍ كما لو أن الحياة بأكملها تضحك معه، حتى جاء ذلك اليوم، عندما حدث قصف بحواره، بينما كان ذاهبًا ليشتري أغراضًا لوالدته من البقالة، ليستيقظ بعدها في غرفة العناية المكثفة بمستشفى شهداء الأقصى، وأمه تبكي عند رأسه، بينما ساقه اليمنى مبتورة.
"في البداية كان دائمًا يصرخ ولم يكن متقبلًا للواقع أبدًا، كان يبكي بصوت عالٍ كل ليلة في المشفى ويقول: بدي رجلي، رجعولي رجلي او ادفنوني جنبها".
تقول والدته فاطمة (٣٥ عامًا) لـ"نوى": "أصيب مع آدم والده وشقيقه فادي الذي يكبره بثلاثة أعوام، لكن إصابته كانت الأخطر وأدت الى بتر ساقه. في البداية كان دائمًا يصرخ ولم يكن متقبلًا للواقع أبدًا، كان يبكي بصوت عالٍ كل ليلة في المشفى ويقول: بدي رجلي، رجعولي رجلي او ادفنوني جنبها".
تضيف الأم بحرقة: "حاولت مواساته والتخفيف عنه بأن الطييب سيركب له طرفًا صناعيًا قريبًا، عوضًا عن ساقه المفقودة، وكل يوم يمر يسألني متى سأحصل على طرف؟ يريد أن يرجع كما كان قبل الإصابة، وأن يجري ويلعب".
تتابع السيدة بعد أن مسحت دمعة: "يبكي آدم كثيرًا لأنه يجلس على الكرسي، لكن لا حيلة لدي. الطبيب المتابع لحالته أخبرنا أنه لا توجد أطراف صناعية على مقاس ساقه، ولا يمكنهم صنع واحدة له بغزة لعدم وجود المواد الخام التي يمنع الاحتلال دخولها".
لا يحلم آدم اليوم فقط بأن يعود للعب، بل يحلم بأن يسير كباقي الأطفال، أن يمشي إلى المدرسة، أن يقف دون مساعدة، أن يركض خلف الحياة مرة أخرى، لكن حلمه هو الآخر بُتر، وها هو يصطدم بواقعٍ أقسى من البتر، وهو عدم وجود أطراف صناعية، أو حتى الخروج من القطاع للعلاج في مستشفيات الخارج.

ووفقًا لإحصائيات وزارة الصحة في غزة، فإن أعداد حالات بتر الأطراف ارتفعت إلى أكثر من 10 آلاف في مختلف محافظات القطاع منذ بدء العدوان الإسرائيلي، وشملت أكثر من 4000 طفل.
كما كشفت أحدث إحصائية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، أن عشرة أطفال على الأقل يفقدون أحد أطرافهم يوميًا في غزة جراء العدوان المستمر منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وفي ذات السياق أعلنت الأمم المتحدة، أن قطاع غزة أصبح موطنًا لأكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث.
وفي شمال غزة، تحديدًا بمخيم جباليا، تعيش الأربعينية ختام سعد تجربة الألم اليومي، بعد فقدانها ساقها نتيجة شظية اخترقت جسدها وأدت لبتر ساقها الأيمن إثر قصف إسرائيلي استهدف محيط منزلها قبل عامين، بينما كانت تعد وجبة الغداء لأسرتها.
"شعور العجز قاسٍ جدًا، تقبلت إصابتي لكنني لست متقبلة بقائي مقعدة، حصلت على كرسي متحرك بعد عدة مناشدات لجمعيات إغاثية، لكنه حل مؤقت. لا أريد أن أطير.. أريد فقط طرفًا صناعيًا للمشي".
تقول بصوتٍ متهدّج وبعينين ممتلئتين بالحزن: "لم افقد ساقي فقط، بل فقدت ممارسة حياتي بشكل طبيعي كأم لها واجبات منزلية وأسرية. كنت أعمل، وأركض مع أولادي، أشعل نيران الحطب، وأذهب للسوق.. الآن فقط أتمنى فقط أن أقف على قدمي من جديد".
وبرغم التوصيات الطبية بضرورة تركيب طرف صناعي لتحسين حياتها، لم تستطع ختام الحصول عليه، فالاحتلال يمنع دخول المعدات الطبية المقدمة لغزة، وفي نفس الوقت يعيق سفرها للعلاج بالخارج منذ إغلاقه معبر رفح، جنوبي قطاع غزة.
تزيد بقهر وحرقة: "شعور العجز قاسٍ جدًا، تقبلت إصابتي لكنني لست متقبلة بقائي مقعدة، حصلت على كرسي متحرك بعد عدة مناشدات لجمعيات إغاثية، لكنه حل مؤقت. لا أريد أن أطير.. أريد فقط طرفًا صناعيًا للمشي".

بدوره يوضح محمود ياسين أخصائي تركيب الأطراف والعلاج الطبيعي، بأن تأثير منع الاحتلال لدخول المواد الأساسية الخاصة بتصنيع الأطراف الصناعية، له عواقب كارثية على المصابين مبتوري الأطراف بغزة، تحت ذرائع أنها "مزدوجة الاستخدام".
ويقول: "الواقع الطبي للمصابين بغزة -خاصة مبتوري الأطراف- الذين يقدرون بالآلاف متدهور للغاية، وكلهم مصيرهم مرهون بالحصول على تحويلات طبية؛ لتركيب أطراف بالخارج، لكن الاحتلال يغلق للمعابر ويمنع الجرحى من السفر للعلاج".
"نحاول صنع أطراف داخلية بغزة، وهي بالطبع ذات جودة أقل، لكن الاحتلال فرض قيود ويمنع دخول المواد الخام للتصنيع من الألياف الكربونية، والمفاصل الذكية، السيليكون".
ويضيف: "نحاول صنع أطراف داخلية بغزة، وهي بالطبع ذات جودة أقل، لكن الاحتلال فرض قيود ويمنع دخول المواد الخام للتصنيع من الألياف الكربونية، والمفاصل الذكية، السيليكون".
ويؤكد ياسين، أن كل تأخير في تركيب الطرف يؤثر على تأهيل الجرحى مبتوري الأطراف النفسي والجسدي، مشيرًا إلى أن تركيب الأطراف الصناعية أمر دقيق جدًا، وله مقاسات وأوزان معينة، وأي خطأ بخصوصه، له دواعٍ خطيرة على حياة المصاب، متابعًا: "الطرف الصناعي مش مجرد قطعة بلاستيك أو معدن، هو أمل، دفعة جديدة لحياة أي مصاب".
























