غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في شوارع مدينة غزة المتهالكة، يتجوّل محمد السيد (48 عامًا) وينادي بصوتٍ واضح "لحّام براميل.. لحّام براميل". يحمل الرجل في يده كيسًا صغيرًا من الخيش، تبرز منه أطراف أدوات بدائية: قطع بلاستيكية، وآلة لحام بسيطة تعتمد على تسخين النار.
يناديه أحدهم، فيبدأ بفحص خزّان الماء البلاستيكي المقوّى (البرميل) المطلوب إصلاحه. يشعل النار بواسطة ولاعة معدنية صعيرة، ثم يذيب قطعًا بلاستيكية يختارها بعناية لتتناسب مع نوعية وجودة البرميل المثقوب.
بعد تسخين القطعة، يضغطها على مكان الثقب، حتى يتأكد من إغلاق الفجوة تمامًا. كل ذلك يجري في بيئة خالية من أي شروط للسلامة أو النظافة، لكن الضرورة تفرض نفسها.
"هذه المهنة لم تكن موجودة من قبل، لكنها وُلدت من رحم الحاجة. الناس لا يستطيعون شراء برميل جديد، والأسعار أصبحت خيالية، فكان لا بد من حلّ".
كان السيد يعمل قبل الحرب في مصنع للمواد البلاستيكية، لكنه وجد نفسه عاطلًا عن العمل بعدما دُمّر المصنع بالكامل خلال الحرب على غزة. يقول لـ"نوى": "هذه المهنة لم تكن موجودة من قبل، لكنها وُلدت من رحم الحاجة. الناس لا يستطيعون شراء برميل جديد، والأسعار أصبحت خيالية، فكان لا بد من حلّ".
ويخبرنا عن عمله الجديد: "بعض الثقوب تحتاج إلى أكثر من نصف ساعة لإغلاقها.. المهم من كل ما أفعله أن أُعيد للبرميل وظيفته: حفظ الماء".
وتُعد مهنة إصلاح البراميل في غزة اليوم واحدة من أبرز الابتكارات التي ظهرت نتيجة الحاجة القاسية التي يمر بها السكان، في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يمنع إدخال أي نوع من المعدات أو المواد الأساسية.
ولا يقتصر أثر الحرب على المباني والبنى التحتية، بل يمتد ليصيب في كافة تفاصيل الحياة اليومية، حتى تلك التي تبدو بسيطة كبراميل المياه، التي يعتمد عليها الفلسطينيون لتخزين مياه الشرب وتلك الخاصة بالاستخدامات المنزلية، ولهذا ابتكر السكان طرقًا بديلة لصيانتها في مشهد يعبّر عن الإصرار على البقاء رغم كل المعوقات.
أسعار فلكية..
في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، وقفت أم محمد شقورة بجانب برميل المياه الذي قام السيد بإصلاحه قبل ساعات قليلة. تقول بابتسامة راضية: "لا أستطيع أن أصف لك كيف كانت معاناتنا. الماء كان يهرب من البرميل، وكنا نحاول بكل الطرق أن نحتفظ بما تبقى لنا من ماء".
وأوضحت شقورة لـ"نوى" أن برميلها كانت مصابًا بنحو 15 ثقبًا بسبب شظايا الصواريخ والقنابل الإسرائيلية، "كان عبارة عن جسد ميت ولكن احتفظنا به على أمل أن نجد له حلًا في ظل عدم توفر براميل جديدة".
أسعار البراميل التي كانت لا تتجاوز 200 شيكل، أصبحت الآن تتراوح بين 1000 و1200 شيكل، بسبب ندرتها.
تضيف: "العاملون في هذه المهنة الجديدة يفعلون أكثر من مجرد إصلاح البراميل المثقوبة، هم يمنحونك فرصة جديدة للبقاء".
ومع استمرار الحصار، أصبحت البراميل التي كانت تباع بأسعار معقولة تُباع الآن بأسعار باهظة، تفوق قدرة العديد من العائلات. فأسعار البراميل التي كانت لا تتجاوز 200 شيكل، أصبحت الآن تتراوح بين 1000 و1200 شيكل، بسبب ندرتها.
لا بدائل..
ومنذ عودته من النزوح جنوبي قطاع غزة إلى بقايا منزله في حي الدرج وسط مدينة غزة، بحث المواطن أحمد الباز (39 عامًا) مطولًا عن برميل مياه بسعر مناسب، لكنه لم يجد. كان يصطدم في كل مرة بالمزيد من الغلاء في أسعار البراميل المستعملة التي زاد الطلب عليها كثيرًا.
يقول لـ"نوى": "بحثتُ كثيرًا عن برميل جديد أو حتى مستعمل، لكن لم أتمكن من العثور على واحد بدون ثقوب. كل البراميل التي وجدتُها إما كانت باهظة الثمن أو مكسورة أو ممتلئة بالثقوب".
ويضيف الباز الذي يعيل عائلته المكونة من خمسة أفراد: "كنت أظن أن الأمور ستعود كما كانت قبل الحرب، حيث كانت البراميل متوفرة بسعر معقول، ويمكن لأي شخص شراء واحد دون القلق بشأن الثغرات أو الأضرار"، مستدركًا بحسرة: "لكن الوضع تغير بشكل جذري مع تفاقم الأزمة. في ظل ازدياد الحاجة للماء، أصبحت البراميل سلعة نادرة".
وأشار إلى أنه كان يشكك دائمًا بجدوى لحام البراميل، أو اعتبار ذلك حلًا مثاليًا حتى خاض التجربة. يخبرنا: "كنت أظن أنه يستحيل إعادة البرميل المثقوب إلى حالته السابقة حتى أصلحت برميلي على يد أحد العاملين في هذه المهنة. لقد قام بعمل لا يصدق، لم يصلح فقط الثقوب بل التمزقات في جوانب البرميل".
ويؤكد أحمد البطنيجي، وهو أحد الحرفيين الذين يعملون على إصلاح البراميل، أن هذه المهنة وُلدت في ظل ظروف استثنائية.
"هذه ليست مجرد مهنة، بل هي ضرورة ملحة تضمن بقاء الناس على قيد الحياة. إصلاح البراميل ليس مجرد صيانة، إنه حل عملي في وقت لا توجد فيه حلول أخرى".
ويقول: "نحن لا نملك المعدات التي تحتاجها هذه المهنة، لكننا نتعلم مع الوقت كيفية استخدام المواد البديلة. نستخدم البلاستيك والحديد القديم، وأحيانًا الأغطية البلاستيكية لندفن بها الثقوب. المهم أن نعيد للبراميل القدرة على الاحتفاظ بالماء، لأنه ببساطة لا يوجد بديل".
ويضيف: "هذه ليست مجرد مهنة، بل هي ضرورة ملحة تضمن بقاء الناس على قيد الحياة. إصلاح البراميل ليس مجرد صيانة، إنه حل عملي في وقت لا توجد فيه حلول أخرى"
























