غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
للعام الثاني على التوالي، يشارك عدد قليل من الحجاج في صلوات الأسبوع المقدس وعيد الفصح في مدينة القدس، بسبب تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
إحدى السيدات المسيحيات، وفضلت عدم الكشف عن اسمها لدواعٍ أمنية، قالت لـ"نوى": "في سنوات ما قبل الإبادة، كان الاحتلال يُماطل في منحنا التصاريح، وإذا أُصدرت، كانت تأتي في نفس يوم العيد، وكأنهم لا يريدون لنا أن نحتفل أو نصلّي في الأماكن المقدسة".
تنظر السيدة التي تقطن وعائلتها شرقي مدينة غزة شمالي القطاع، إلى فكرة الصلاة في كنيسة القيامة -تحت الإبادة- على أنه حلمٌ بعيد المنال، وهي التي لا تعرف إذا ما كانت ستبقى حيةً إلى الأحد المقبل أصلًا تحت نيران الصواريخ، وفي وجه ضربات المدافع أم لا.
وتضيف: "ما يضاعف ألمنا في غزة، هو أن الاحتلال هدم كنيستنا بغزة، واستُشهد عدد كبير من إخواننا وأخواتنا تحت ركامها. الاحتلال يستهدف وجودنا في القدس وفي غزة وفي سائر فلسطين، ويسعى للحد من حضورنا فوق الأرض المقدسة"، معبرةً عن حزنها العظيم لمرور العيد مجددًا على غزة دون وقف الإبادة.

وكانت طائرات الاحتلال الإسرائيلية، ارتكبت في التاسع عشر من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، مجزرةً بقصف كنيسة القديس "بيرفيريوس"، الأرثوذكسية اليونانية بمدينة غزة، التي تعد ثالث أقدم الكنائس على مستوى العالم، حيث كان مجمعها يؤوي مئات النازحين من المسيحيين والمسلمين معًا، ما أدى إلى استشهاد 18 فلسطينيًا هناك دفعةً واحدة.
تحكي السيدة بحرقة: "لا أستطيع وصف الشعور حينما يحرمك الاحتلال من أداء شعائر دينية في أرضك.. في القدس التي هي جزء من هويتك"، مؤكدةً أن الأمل لا يغادر قلوب مسيحيي غزة، بأن السلام سيعود يومًا، "وأن القدس ستبقى المقصد مهما كانت الظروف".
تُحيي الكنائس المسيحية الشرقية والغربية، يوم الأحد المقبل، "أحد الشعانين"، وهو الأحد الأخير قبل عيد الفصح المجيد، و"ذكرى دخول المسيح إلى مدينة القدس".
وتُحيي الكنائس المسيحية الشرقية والغربية، يوم الأحد المقبل، "أحد الشعانين"، وهو الأحد الأخير قبل عيد الفصح المجيد، و"ذكرى دخول المسيح إلى مدينة القدس".
وفي الوقت الذي يُفترض أن تُضاء شموع الرجاء وتُقرع أجراس الأمل، يجد المسيحيون الفلسطينيون أنفسهم محاصرين بالحواجز، وممنوعين من الوصول إلى كنيسة القيامة، أقدس مقدساتهم، في قلب مدينة القدس المحتلة. هناك، لا تعلو تراتيل العيد على صوت الجنود، ولا تفوح رائحة البخور إلا وقد خالطها غبار القهر والانتظار.
وقد فرضت القوات الإسرائيلية إجراءات عسكرية مشددة على الحواجز المحيطة بمدينة القدس، وفي محيط البلدة القديمة، في حين اشترطت سلطات الاحتلال على الفلسطينيين، المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء، استصدار تصاريح خاصة للعبور من حواجزها العسكرية المحيطة بالمدينة المقدسة، وصولًا إلى أماكن العبادة، خاصة المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.
رحلة "محفوفة بالإهانة"
وتحدثت لينا قزحة، من بيت ساحور، بنبرةٍ يملؤها الحزن لـ"نوى" عن مشاعرها في رحلة الوصول إلى كنيسة القيامة في كل عيد، وتقول: "زيارة القدس أصبحت رحلة منهكة على المستويين الجسدي والنفسي. حتى عندما يُسمح لنا بالدخول، يكون ذلك وفق شروط معقّدة، وفي مواعيد لا نحددها نحن، بل تُفرض علينا من قبل جنود لا ينتمون إلى هذه الأرض".
وتتابع: "يقف الفلسطيني في طابور طويل، بانتظار إيماءة من جندي غريب تسمح له بالمرور، وكأنّ الصلاة أصبحت امتيازًا لا حقًّا إنسانيًا عظيمًا على مستوى الأديان".
ويرى ديمتري دلياني، رئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة، أن الحواجز العسكرية لا تفصل فقط بين الإنسان وكنيسته، بل تعيد تشكيل علاقته بمكانه، وتزرع الغربة في قلبه. ويقول: "حين أسلك الطريق نحو كنيسة القيامة، أعلم أنّ عليّ التفاوض مع بنية أمنية لا تعترف بحقي في الوجود. التفتيش، الانتظار، والاستجواب، كلها أدوات تجرّد اللحظة الروحية من معناها، وتحمّلنا عبئًا نفسيًا إضافيًا في وقت يُفترض أن يكون مكرّسًا للتأمل والسكينة".
ويضيف: "القيود المفروضة على حركتنا في القدس هي امتداد لنظام السيطرة، حيث يستخدم الاحتلال الحواجز العسكرية كوسيلة للتحكم بالمجال العام، وبالزمن الشخصي للفرد. الحاجز العسكري لا يفصل فقط بين نقطة وأخرى، بل يُقحم نفسه في تفاصيل الحياة، ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بمكانه".
ويشرح بمزيدٍ من التفصيل: "حين أحاول الوصول إلى كنيسة القيامة، أكون مُجبرًا على المرور بسلسلةٍ من الإجراءات التي تُعلّق حقي في التحرّك على موافقة قوى عسكرية لا تعترف بوجودي كصاحب مكان. التفتيش والاستجواب والانتظار الطويل أمام الجنود لا يمس فقط الكرامة، بل يضيف طبقة جديدة من الإرباك والضغط النفسي في لحظة يُفترض أن تكون مرتبطة بالسكينة أو التأمل".
ووفق ديمتري، فإن هذا الواقع اليومي يعيد تعريف مفهوم الوصول، لا كحق، بل كمفاوضة متكرّرة مع بنية قمعية تستهدف تقليص الحضور الفلسطيني في الحيّز المقدسي، وتقييد إمكانية ارتباط الإنسان بذاكرته المكانية.
"هذا الواقع اليومي يعيد تعريف مفهوم الوصول، لا كحق، بل كمفاوضة متكرّرة مع بنية قمعية تستهدف تقليص الحضور الفلسطيني في الحيّز المقدسي".
وعن تأثير هذه السياسات في الأعياد، يتابع: "هذه السياسات، خصوصًا في عيد القيامة، تأتي ضمن منظومة أمنية تفرض ترتيبات تمنع شعبنا من المشاركة في الاحتفالات الدينية. هذه الإجراءات تشمل منع إصدار التصاريح، وإغلاق الطرقات، وفرض أطواق أمنية على البلدة القديمة، وإخضاع الحركة لنظام مراقبة ميدانية صارم. في المقابل، تُهيِّئ بيئة مريحة لمجموعات المستوطنين الذين يُمنحون حق الدخول والحركة والتنظيم في مدينتنا المحتلة".
المشاركة الفلسطينية في الاحتفالات الدينية تُواجَه بتضييق ممنهج يؤثر على طبيعة العلاقة بين الإنسان الفلسطيني وفضائه الديني والاجتماعي، مما يخلق شعوراً دائمًا بأن وجوده محكوم باعتبارات خارج إرادته. ورغم هذه الصعوبات، يصرّ الفلسطينيون على المجيء إلى القدس، "ليس فقط بدافع الالتزام الديني، بل لأن الحضور المتواصل يعيد تثبيت المعنى التاريخي والوجداني للانتماء، في وجه محاولات الطمس والإقصاء" يعقب ديمتري.
إيمان يُقابَل بالقمع وصمت دولي..
من جهته، يشير شعوان جبارين، مدير عام مؤسسة "الحق"، إلى أن الانتهاكات لا تفرّق بين فلسطيني مسلم أو مسيحي، "فالجميع يُمنع من الوصول إلى أماكن عبادته في القدس، ويتم التعامل معهم بمنطق عسكري قمعي" يقول.
ويقول: "رصدنا منع المئات من مسيحيي الضفة وغزة من الوصول إلى كنيسة القيامة، رغم المناشدات والتقارير التي رفعناها إلى الهيئات الدولية. مع ذلك، لم يتحرك أحد. الهجمات تطال الكنائس كما تطال المساجد، وتُقابل بصمت دولي مخجل".
ويضيف: "ما يجري لا يمكن وصفه إلا بأنه اضطهاد ديني ممنهج، يُرتكب أمام أنظار العالم، خاصة الدول التي تتغنى بحماية حرية العبادة، لكنها تغض الطرف عن واقع الفلسطينيين في مدينتهم المقدسة".
ومنذ عام 1967م، فرض الاحتلال الإسرائيلي قيودًا شديدة على الفلسطينيين للوصول إلى أماكن عبادتهم في القدس. شملت هذه القيود إغلاق الطرق الرئيسة، وتقييد التنقل عبر تصاريح خاصة تُمنح بشكل انتقائي، مما يصعّب على المسيحيين والمسلمين من الضفة الغربية وقطاع غزة الوصول إلى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.
وفي المناسبات الدينية الكبرى، مثل عيد الفصح وعيد الميلاد، كان يتم إغلاق البلدة القديمة بالكامل أو فرض حواجز أمنية تعيق حركة الفلسطينيين.
وقد تطور الوضع ليشمل تقييد التنقل عبر الحواجز العسكرية، وعمليات التفتيش التي تستغرق وقتًا طويلًا، في محاولة لتقليص الحضور الفلسطيني في المدينة. ورغم هذه الصعوبات، يصر الفلسطينيون على زيارة أماكن عبادتهم، مؤكدين أن القدس بالنسبة لهم ليست مجرد مكان للصلاة، بل هي جزء من هويتهم ووجودهم.
























