شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م06:13 بتوقيت القدس

نزوح.. من "الشجاعية" إلى حلقة "الموت" المفرغة بكل غزة!

07 ابريل 2025 - 15:30

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في كل مرّة يحاول الفلسطيني في قطاع غزة وصف حدثٍ ما -تحت الإبادة- يعجز! في كل مرةٍ تُبث صور الموت المباشر، بألوان شديدة الوضوح للعالم أجمع، لا يجد الفلسطيني معنىً للحديث، حيث لم ينفع في إيقافها على مدى عام ونصف من الصراخ، من التوثيق، من المناشدات، ومن الموت المتواصل.. "فهل سيتغير أي شيء إن تحدثت؟" تتساءل إسلام.

إسلام أبو لوز وعمرها 29 عامًا، أجبرت للمرة التي لم تعد تعرف رقمها على النزوح من حي الشجاعية، الذي تسكنه مع عائلتها، بعد ليلة من القصف المدفعي والغارات الجوية وإطلاق رصاص المُسيّرات الإسرائيلية، وصراخ الأهالي الذين يناجون السماء بأن يتوقف هذا الجحيم عن رؤوسهم.

تقول في وصف ليلتها الأخيرة هناك: "كانت ليلة صعبة وقاسية، طائرات مروحية تطلق نيرانها، قذائف المدفعية لا تتوقف عن تصويب نيرانها علينا، صبرنا على الجوع. لكن الأصوات المرعبة، صراخ الناس، لهيب الصواريخ فوق رؤوسنا قتلنا".

وما أن بدأ نور النهار ينشق، قامت وزوجها وأطفالها من فراشهم بعد تقوقعهم من شدة الرعب، حملوا بعض المتاع وهمّوا إلى النزوح بينما يلتصق صغارها بملابسها كي لا يتيهوا في طابور النزوح إلى خارج الحي باتجاه المناطق الغربية في المدينة.

في الرابع من إبريل/ نيسان لعام 2025م، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، توسيع عمليته البرية في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، قائلًا إن قواته بدأت العمل بالمنطقة "بهدف تعميق السيطرة وتوسيع منطقة التأمين الدفاعية"، ما يشير إلى استيلائه على أراضي المواطنين كما هو الحال في مدينة رفح جنوبي القطاع، وتهجير جميع السكان منها إلى مناطق أخرى.

إيمان وادي وهي نازحة أخرى من الحي ذاته، تقول: "بوادر الهجوم بهذه الطريقة مرة واحدة كغول انقض على فريسة، عرفت أن الشجاعية صارت مسرحًا جديدًا لجريمة كبيرة، يريدون انتزاعها، فأخبرت بناتي بأن يودعن ما تبقى من منزلنا المدمر بشكل جزئي، أن يودعن حارتنا وكل شارع فيها لأننا لن نعود إليها مجددًا، وإن تمنيت خلاف ذلك".

وتضيف: "هربنا تحت القصف، شاهدنا جثامين الشهداء ولم يستطع أحد انتشالها، حدث قصف في طريقنا وتفرقنا بسبب الدخان. ظننت أنني مت حين وقعت على الأرض واستسلمت للموت حتى سمعت صراخ طفلتي الصغيرة وهي تشد بلباس الصلاة الذي أرتديه وتقول، أمانة يا أمي قومي".

تتابع إيمان: "لا أدرك كيف نجوت لكنني لا أخفي أنني تمنيت الموت دفعة واحدة بدلًا من عيشه مرات عديدة، فمنذ بدء حرب الإبادة هاجم الاحتلال حي الشجاعية ثلاث مرات برية، ويا للأسف عايشتها جميعًا".

وصلت السيدة مع بناتها الأربع وزوجها إلى غربي غزة، استطاعوا نصب خيمة من الأغطية، لكن معاناتها مع الدود والحشرات والقوارض التي تطارد لقمتهم، تجعل خوفهم مضاعفًا. تصرخ بناتها في منتصف كل ليلة عندما تسير الزواحف على أجسادهن الصغيرة، تخبرنا: "لا أنام الليل. أخشى  احتراق الخيمة بنا جراء شظية من هناك أو من هناك، أو حتى بسبب استهدافٍ مباشر".

محمد بكرون شاهد ثالث من حي الشجاعية، وهو أبٌ لستة من الأبناء والبنات. كان يسكن شارع المنصورة شرقي الحي، يصف ليلته الأخيرة هناك بليلة "النزاع"، إذ لاحقتهم الطائرات بكل أنواع أسلحتها، وتعرضوا لإطلاق نار مباشر على المنزل الذي حاولوا الاحتماء فيه، بينما كانت المدفعية تضرب قذائفها دون استراحة.

وما أن أتت فرصة للنزوح تحت ضوء النهار، لم يتردد. بل لم يكن أمامه خيار آخر، ويزيد: "كانت الطائرات المسيرة تطلق النار علينا، بينما أحاول الركض مع أطفالي كأننا في لعبة يصطاد صاحبها أي هدف أمامه لمجرد أنه يتسلى، لا لوجود مبرر يستحق ذلك بنظره".

عن أبنائه يشير إلى أن أكبرهم ابنة تبلغ من العمر 11 عامًا، وأصغرهم طفلة تبلغ عامًا واحدًا فقط، "حملتُها على كتفي وعلى ظهري حقيبة أخرى ببعض الاحتياجات" يقول.

"قصفوا مربعًا سكنيًا قريبًا منا، كادت روحي تنخلع من مكانها، عجزتُ عن إسكات أبنائي وبناتي فبكيت معهم".

ويضيف: "نريد أن تقف الإبادة لكنها تجرفنا في طريقها كما فعلت طوال عامٍ ونصف. نحن أحياء لكننا أموات فعليًا، لم يعد يفرق لنا الموت، كل ما يهمنا ألا نفقد أحد".

يعود الرجل ليتذكر "قصفوا مربعًا سكنيًا قريبًا منا، كادت روحي تنخلع من مكانها، عجزتُ عن إسكات أبنائي وبناتي فبكيت معهم، تطايرت الأشلاء وشاهدت بعضها لكنني صدقت أنني تجاوزت الأمر وهذا ليس صحيحًا، الصورة أمام عيني في كل آن".

ويختم بحرقة: "خرجنا من الشجاعية ونحن نعرف أننا لن نكون بأمان، لا أمان في أي شبر من قطاع غزة، الجميع يتعرض إلى إبادة. نركض من مكان إلى آخر تحت تهديد الموت المباشر، لا في الشمال ولا في الجنوب. ندور في حلقة مفرغة إلا من الموت، فهو أكثر ما يتوفر هنا".

كاريكاتـــــير