الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
عيدٌ لأول مرةٍ تحت الشمس، بعيدًا عن رائحة الرطوبة والعفن التي تفوح من جدران الزنزانة. "عيدٌ كبّرت فيه وهللت لأول مرة، بصوتٍ لا يقمعه جندي" يقول الأسير المحرر بكر النجار (46 عامًا) لـ "نوى".
النجار (الذي اعتقلته قوات الاحتلال عام 2002م، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة)، قضى خلف القضبان 22 عامًا، قبل أن يفرج عنه في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار 2025م، الذي انهار منتصف آذار/ مارس الماضي.
يستذكر النجار (46 عامًا)، كيف كان يمر عليه رمضان -وعلى كافة الأسرى- صعبًا، "بل لا أذكر أننا هنئنا بعبادةٍ أو موسم. كان الجنود يتعمدون تنغيص طقوس رمضان كلها، الفطور والسحور وحتى ما يتعلق بالعبادات" يخبرنا.
ويكمل: " كنا خلاله نمضي الوقت بقراءة القرآن الكريم، ونحاول صنع بعض الحلويات بالإمكانيات المتوفرة. كنا نصنع القطائف من الشعيرية، أو المعكرونة، والكنافة من الخبز، وكنا نقنع أنفسنا بأنها لذيذة"، مردفًا بانفعال: "لكننا الآن، وبعد أن خرجنا من القبر الذي دفن الاحتلال فيه شبابنا وأعمارنا، أيقنا أننا كنا نعيش العذاب أصنافًا لا يمكن أن يتخيلها بشر".
في رمضانه الذي تلا التحرير، عاش النجار شعورًا "لا يوصف"، على حد تعبيره، "رغم الألم الذي يعصر قلوبنا نتيجة ما يمر به أهلنا في قطاع غزة، وفي مخيمات شمالي الضفة"، مردفًا: "أكلت للمرة الأولى البطيخ! منذ سنوات لم أتذوق طعمه، شعرتُ بحلاوة الحياة خارج السجن مع أول قضمة، وفي نفس الوقت، أنفتها نفسي عندما عرفت أن هناك أطفال في القطاع لا يجدون الخبز الجاف".
الأسير خالد مخامرة، الذي أفرج عنه بذات الصفقة أيضًا، والمحكوم مدى الحياة، وقضى منها (11 عامًا)، هو الآخر أكّد أن كل الكلمات لا يمكن أن تصف معنى "الحرية"، بعد سنواتٍ من القمع والتعذيب والعزلة في سجون الاحتلال.
يقول: "بعد بدء الإبادة في قطاع غزة، ازدادت أوضاع الأسرى سوءًا بشكل مضاعف، أما قبلها -على علاتها- كنا نأكل خلالها البيض، الأرز، واللبنة، وفي بعض الأيام كنا نأكل شوربة رب البندورة بكميات قليلة جدًا".
أما في شهر رمضان على سبيل المثال، "فكانوا يحضرون لنا طعام اليوم كاملًا بل أذان المغرب بقليل. "كنا نقسمه بين فطور وسحور، وكان عبارة عن ١٠٠ جرام أرز، وخمسين غرام من اللبنة، ونصف كوب شوربة و٣٠٠ غرام من الخبز لليوم كاملًا".
يستشعر الأسير المحرر اليوم "نعمة الحرية"، رغم قرار الاحتلال إبعاده عن مدينته التي يحب، "لا ينقصنا إلا انتهاء الحرب والموت في قطاع غزة، والضفة الغربية، ووجود عائلاتنا بقربنا".
منذ 11 عامًا، لم يعش مخامرة طقوس العيد، أو رمضان، "كنا محرومون من الصلاة جهرًا، أو قراءة القرآن بصوتٍ عالٍ. كنا محرومون حتى من رفع الأذان، ومن كان يفعلها، كان يعاقب برفقة كل من في الغرفة، بالتقييد لعدة ساعات تحت المطر أو الشمس".
ويتحدث خالد عن إحساسه بعد سماع الأذان لأول مرة بعد الإفراج عنه، فيقول: "لم أصدق نفسي، صليتُ جماعةً في مصلى الفندق الذي نزلنا به في مصر، وكان صوت إمامنا يصدحُ جهرًا! بدون خوف، ولا قيود".
بكر النجار وخالد مخامرة، كلاهما أفرج عنهما في الصفقة الأخيرة التي أطلق عليها فلسطينيًا اسم "طوفان الأحرار"، وأبعدا إلى جمهورية مصر الشقيقة، قبل اختراق الاحتلال الإسرائيلي اتفاق وقف إطلاق النار في الثامن عشر من مارس الماضي.
"فرحة الحرية كبيرة، لكن لوعة الفراق أصعب. منذ 13 عامًا لم يجمعنا رمضان أو عيد، لقد صدمت لما رأيت أبنائي وقد كبروا بعيدًا عن عيني".
يعاني الأسيران مرارة الإبعاد، فخالد لم يتمكن أحد من أفراد أسرته من زيارته، سوى واحد من أبنائه، في حين علق الآخر في الأردن، ومنعت زوجته باقي عائلته من السفر.
يخبرنا: "فرحة الحرية كبيرة، لكن لوعة الفراق أصعب. منذ 13 عامًا لم يجمعنا رمضان أو عيد، لقد صدمت لما رأيت أبنائي وقد كبروا بعيدًا عن عيني. ابنتي الصغرى كان عمرها تسعة أشهر لما اعتقلت، والآن عمرها ١٢ عامًا. بل أصبح لدي أحفاد يتحدثون معي يوميًا، ويطلبون أن أكون معهم وأزورهم، وأنا لا أستطيع".
أما بكر، فيزيد: "كنتُ أتوقع الإبعاد، ولم أفاجأ به. رغم حرقة قلبي لأنني بعيد، إلا أنني أتمنى أن يعيش كل الأسرى داخل سجون الاحتلال هذا الشعور. شعور الحرية.. حرية الحياة والعبادة والفرح".
























