شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:11 بتوقيت القدس

ينادون بتشكيل مجموعة ضغط نحو "وحدة السياسة"

مسيحيون ومسلمون.. و"رغيفٌ" أطعم "الكُل" في الإبادة!

23 مارس 2025 - 11:38

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في غزة، حيث تمتزج أصوات أجراس الكنائس بأذان المساجد، تتلاشى الفروقات الدينية أمام واقع واحد: الموت لا يفرق بين مسلم أو مسيحي هنا. كل فلسطينيٍ هدف!

في حي الزيتون المدمر جنوبي مدينة غزة، فقد أحمد النجار (37 عامًا) منزله في كانون الأول/ ديسمبر 2023م. كان صديق الطفولة والمدرسة ناصر ترزي، أول من وجه دعوة لاستضافته في منزله. يقول النجار: "حين فقدنا بيتنا، كان ناصر أول من قال لي: بيتنا بيتكم. كنا ننام معًا، نأكل من نفس الطبق، ونشرب من نفس الماء الذي كنا نحصل عليه بعد ساعات من الانتظار".

"عشنا معًا كأننا إخوة من رحم واحد لمدة 8 أشهر، كنا نقف في طوابير الخبز والماء معًا، وعندما نعود، كنا نقسم كل شيء بالنصف. حتى عندما لم يكن لدينا سوى وجبة واحدة في اليوم، كنا نتشاركها".

وأضاف: "عشنا معًا كأننا إخوة من رحم واحد لمدة 8 أشهر، كنا نقف في طوابير الخبز والماء معًا، وعندما نعود، كنا نقسم كل شيء بالنصف. حتى عندما لم يكن لدينا سوى وجبة واحدة في اليوم، كنا نتشاركها. لم أشعر للحظة أنني ضيف. ناصر كان يقول لي دائمًا: نحن واحد، لن أتركك".

يبتسم ناصر ترزي، ويقاطع صديقه بالقول: "كان شرفًا لي"، ويضيف متحدثا عن العشرة التي نشأت نتيجة مشاركة المسكن والمأكل: "كنت أنظر إلى أحمد وأقول: لو حدث لي ما حدث له، لن يتركني. نحن عائلة واحدة، من يملك لقمة يشاركها، ومن يملك ماءً يقسمه بالنصف".

"في أحد الأيام، لم يبقَ لدينا سوى رغيف خبز واحد. نظرت إلى أحمد، وقلت له مازحًا: "أنت الكبير، خذ نصيب الأسد". لكنه رفض بشدة، وقسمناه بين الأطفال. قال لي حينها: "أولادك أولادي". لم أستطع حبس دموعي".

وروى ناصر موقفًا مؤثرًا: "في أحد الأيام، لم يبقَ لدينا سوى رغيف خبز واحد. نظرت إلى أحمد، وقلت له مازحًا: "أنت الكبير، خذ نصيب الأسد". لكنه رفض بشدة، وقسمناه بين الأطفال. قال لي حينها: "أولادك أولادي". لم أستطع حبس دموعي".

وأضاف: "نحن إخوة قبل أن نكون مسلمين ومسيحيين.. الجوع واحد، والقصف لا يفرق بين أحد".

في ظل هذه المحنة، لم تكن الصداقة بين أحمد وناصر مجرد علاقة عابرة، بل جسدت صورة حقيقية للتلاحم الفلسطيني، حيث تلاشت اختلافات الدين أمام وحدة المصير والدم.

الكنيسة.. بيت للجميع

"أصبحنا عائلة واحدة.. لم نشعر بأننا ضيوف"، بهذه الكلمات بدأت فاطمة الغلاييني، وهي سيدة فلسطينية مسلمة، حديثها عن الأيام التي قضتها مع عائلة "عياد" المسيحية في كنيسة القديس "برفيريوس" بعد أن دُمر منزلها.

تقول الغلايني التي تعيش في حي الدرج وسط مدينة غزة، والدموع تملأ عينيها: "وصلنا إلى الكنيسة مرعوبين، بلا طعام أو ماء، وأطفالي كانوا يبكون من الجوع. لكن أهل الكنيسة استقبلونا كأننا أهلهم، لم يفرقوا بين مسلم ومسيحي. أعطونا ما لديهم من بطانيات وطعام، وتقاسموا معنا كل شيء".

وتضيف: "هناك تعرفت على أم جورج عياد، إحدى السيدات المسيحيات، كانت تحضر لنا الطعام البسيط مما تملك. كانت تقول لي: نحن إخوة، هذه الحرب تستهدفنا كلنا، لو كنتِ مكاني، كنتِ ستفعلين الشيء ذاته".

وتُعد كنيسة القديس "برفيريوس"، التي تأسست عام 425 ميلاديًا، رمزًا للتعايش والسلام بين المسلمين والمسيحيين في غزة، منذ زمنٍ طويل، حيث يفصل بينها وبين مسجد كاتب ولاية نفس الجدار، في حين تتعانق المئذنة مع الجرس تحت الشمس في أبهى صورة، لتحكي عن لحمةٍ فلسطينية لم تفرقها إلا "السياسة".

في التاسع عشر من تشرين أول/ أكتوبر 2023م، تعرضت الكنيسة لقصفٍ جويٍ إسرائيلي، رغم أنها كانت تؤوي مئات النازحين. أسفر القصف عن استشهاد 18 شخصًا على الأقل، بينهم مسلمون ومسيحيون، ما أثار موجة غضب واستنكار.

على الرغم من تناقص أعداد المسيحيين في غزة بسبب الهجرة والأوضاع المعيشية القاسية، إلا أن من بقي منهم ظل صامدًا، يتقاسم مع إخوانه المسلمين الألم والأمل.

تعود جذور الوجود المسيحي في فلسطين إلى القرون الأولى للميلاد، فمن هذه الأرض نبتت الديانة المسيحية لتشق طريقها إلى العالم كله. وعلى الرغم من تناقص أعداد المسيحيين في غزة بسبب الهجرة والأوضاع المعيشية القاسية، إلا أن من بقي منهم ظل صامدًا، يتقاسم مع إخوانه المسلمين الألم والأمل.

ورغم التحديات التي تواجه المسيحيين في باقي المدن الفلسطينية، مثل بيت لحم والقدس، إلا أن مسيحيي غزة يعيشون واقعًا أشد قسوة، فهم جزء من مجتمعٍ محاصر يعاني الفقر والبطالة وانعدام فرص السفر. ومع ذلك، ظلوا متمسكين بجذورهم ووجودهم داخل القطاع.

"دماؤنا واحدة... ولا مكان للخلاف"

إلياس الجلدة، عضو مجلس وكلاء الكنيسة الأرثوذكسية العربية في غزة، يؤكد أن الدماء التي روت أرض فلسطين لم تكن يومًا حكرًا على طائفة دون أخرى.

ويقول: "نحن في غزة لسنا مسلمين أو مسيحيين، نحن فلسطينيون أولًا وأخيرًا. عندما تستهدف الطائرات الإسرائيلية منزلًا، لا تسأل عن دين من فيه. مصيرنا مشترك، وألمنا واحد".

وأضاف: "الحرب الأخيرة أثبتت مجددًا أن التلاحم الشعبي والديني في غزة صلب. نحن بحاجة إلى نقل هذه الوحدة من المشاعر إلى الفعل".

ودعا الجلدة إلى تشكيل مجموعة ضغط وطنية تضم مسلمين ومسيحيين، شبابًا ونساءً، تعمل على تعزيز الوحدة السياسية والحزبية على غرار التلاحم الديني، قائلًا: "يجب أن نوصل رسالة واضحة: لا حرية ولا استقلال بدون وحدة الصف الفلسطيني".

هل تقود الوحدة الدينية إلى الوحدة السياسية؟

ويرى الجلدة أن الوحدة الدينية لطالما كانت وقودًا للوحدة الوطنية، مستشهدًا بمحطات تاريخية شهدت نضالًا مشتركًا بين المسلمين والمسيحيين، مثل ثورة 1936م، والانتفاضتين الأولى والثانية.

"في هذه المحطات، لم يُفرق الحجر بين يد مسيحية وأخرى مسلمة. هذه اللحظات تثبت أن الوحدة ليست حلمًا مستحيلًا، بل هي جزء من ذاكرة الفلسطينيين"، يقول الجلدة.

"تشكيل مجموعة ضغط مدنية تضم الجميع، يمكن أن يُحدث تغييرًا حقيقيًا (..) إذا اتحد الشباب والنساء، وهما الفئتين الأكثر تضررًا من الحصار، يمكن أن يتحولا إلى صوت قوي يفرض أجندة وطنية جديدة تدعو إلى إنهاء الانقسام".

سياسيًا، يرى الجلدة أن تشكيل مجموعة ضغط مدنية تضم الجميع، يمكن أن يُحدث تغييرًا حقيقيًا "إذا اتحد الشباب والنساء، وهم الفئة الأكثر تضررًا من الحصار، يمكن أن يتحولوا إلى صوت قوي يفرض أجندة وطنية جديدة تدعو إلى إنهاء الانقسام. قوتهم ستأتي من مصداقيتهم، فهم أبناء الشعب الذي صمد وقدم التضحيات، ولن يستطيع أحد التشكيك في نواياهم".

في غزة، تتهاوى جدران الطائفية تحت نيران الاحتلال، ليبقى الدم واحدًا والهوية واحدة. وبينما تتجذر هذه الوحدة في الوجدان الشعبي، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الفلسطينيون تحويل هذا الالتئام الروحي إلى وحدة سياسية حقيقية تقودهم إلى الحرية؟

كاريكاتـــــير