غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على أنقاض مخبزه الذي دمره الاحتلال الإسرائيلي في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، ينهمك ناهض في مراقبة الحطب؛ لتبقى مشتعلةً تحت رقائق خبز الطابون الفلسطيني.
إلى جانبه يقف ابنه لمساعدته، فيعمل على تقليب الأقراص بين يديه، وتشكيلها لتصبح جاهزة للطهي، فتفوح رائحتها الزكية، التي تختلط برائحة الموت التي لم تغادر سماء المخيم بعد.
في رمضان، لم يكن أمام ناهض أبو عيدة (50 عامًا) خيارًا سوى أن يعمل بكافة طاقته؛ لتوفير خبز الطابون الساخن لسكان المخيم، في ظل تشديد الحصار واغلاق المعابر، وتوقف عمل معظم المخابر في مدينة غزة وشمالي القطاع وفي جنوبه أيضًا.
يقول لـ"نوى": "في رمضان، نحن لا نأكل فقط، بل نتشارك اللقمة مع بعضنا البعض. هذا ما اعتدنا عليه نحن أبناء مخيم جباليا. ما أفعله هو جزء من هذا التضامن، رغم كل شيء".
إعادة فتح المخبز لم يكن سهلًا بالنسبة للخباز الخمسيني ناهض، بسبب قلة وجود الطحين وصعوبة تأمين المواد الأساسية، وشح الحطب، ورغم ذلك، صار نقطة معتمدة من الزائرين لا سيما بعد عودة النازحين من جنوبي القطاع إلى شماله.
يكمل حديثه مشيرًا بسبابته إلى الدمار على مد بصره: "الاحتلال دمر بيتي ومخبزي، لكن إرادتنا لا تُهدم، هذا المخبز ليس مجرد مكان لبيع الخبز، بل هو رمز لصمودنا، وسنعيد بناء كل ما دمره الاحتلال ولو كان خرابًا".
ويعمل ناهض خبازًا منذ أكثر من 17 عامًا، "بعدما ورث المهنة عن أبيه وجده، وتعلم أصول الصنعة وفق الهوية الفلسطينية التراثية"، ويزيد: "لطالما شكل المخبز قبل الحرب وجهة يومية للعشرات من أبناء المخيم، تحديدًا في يوم الجمعة، حيث اعتدنا أن تكون موائدنا مزينة بأطباق الفتة والمنسف والمسخن، وكان الطابون جزء من هذه الثقافة، لكن الدمار لم يترك شيئًا في المكان سوى الحسرة والذكريات المؤلمة، وهذا الموقد الذي يعمل على الحطب، الذي يقدم الطابون كنوعٍ من سد الخانة على موائد الإفطار".
كان ناهض يخطط قبل الحرب على غزة، لتزويج ابنه، وبناء شقة له فوق داره، لكن الاحتلال حرمه من كل شيء، فقَدَ ابنه والبيت، وحتى المخبز الذي كانت تعتاش عليه أسرته.
يحكي بحسرة: "أصبح كومة حجارة. أحاول انتشال ما تبقى منه تحت الركام من أدوات، لكنني لم أجد شيئًا. حتى الحديد أحرقته الصواريخ التي أبادت المخيم كله".
يرجع الخباز بذاكرته لأيام الحرب غير البعيدة، ويتحدث عن التحديات التي واجهها خلال عمله، فيقول: "لم أترك المخيم، وبقيت فيه صامدًا حتى آخر رمق. كنت أسترق لحظات بالخفية لأعد الخبز لأبناء المخيم عندما اشتدت المجاعة خلال الحرب، في الوقت الذي كان الناس لا يجدون فيه الطحين، وحتى حين اضطررنا لأكل أوراق الأشجار".
ويردف: "جازفت بروحي أكثر من مرة، لطهي الخبز وتوزيعه على الصامدين معي تحت نيران القصف والقذائف الإسرائيلية"، قائلًا بحزم: "مهما اشتدت بنا الخطوب، لن نترك المخيم. لن نترك بيوتنا ولو صارت رمادًا، نحن خلقنا لنفدي هذه الأرض بأرواحنا، وإذا كان الاحتلال يظن أنه قادر على محونا، فإن إعادة تشغيل المخبز من تحت الركام، وبأقل الإمكانيات، أكبر دليل على أنه يعيش وهمًا عظيمًا وعليه أن يصحو منه في وقتٍ قريب".
























