شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م02:23 بتوقيت القدس

40 ألف نازح بالضفة.. كيف تواجه الحكومة مخطط التهجير؟

23 مارس 2025 - 10:51

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في مخيم جنين، اختارت عائلة المواطنة ياسمين عموري البقاء في منزلها على مدار 50 يومًا من العدوان، رغم جنون القصف، وانعدام الخدمات، والنقص الحاد في المستلزمات الغذائية والطبية، قبل أن يُجبَر أفرادها على المغادرة تحت تهديد السلاح.

عمليات النسف والحرق والتدمير هناك -وفقًا لها- لم تتوقف لحظة، وطالت منازل المواطنين والمنشآت والشوارع والبنية التحتية، حتى بات الدمار صادمًا ولم يسبق له مثيل من قبل، باستثناء ما خلّفه اجتياح العام 2002م، "عدا عن انتشار الجنود والآليات، وتحليق الطائرات بأنواعها في سماء المخيم، وانتشار القناصة على أسطح المباني، ونقص الإمدادات الغذائية والطبية والمياه، وحرمان الأطفال من التعليم".

ومن المشاهد التي لا تنساها ياسمين، رؤية تفجير 20 منزلًا في المخيم دفعةً واحد، حيث وصفت المشهد بـ "أهوال يوم القيامة" من شدّته، مضيفةً: "كذلك لا أنسى كيف كانوا يشبحون النساء ويُنكلّون بالشباب قبل اعتقالهم أثناء محاولتهم العودة إلى منازلهم وتفقدها".

غادرت ياسمين المخيم مرغمة، بعد صمودٍ أسطوري طويل. تخبرنا: "كنا على سفرة الإفطار ولم يمضِ على أذان المغرب سوى دقائق معدودة. اقتحموا البناية التي نسكن فيها وأمرونا بالنزول إلى الشارع، حاولت أن أشرح لهم حالة طفلي المريض (3 سنوات) وأنني لا أستطيع الخروج به أينما كان، لكنهم لم يستجيبوا لنا وأمهلونا ساعة ونصف لإخلاء المنزل".

خلال فترة الانتظار، روّعوا الأطفال بسحب الأسلحة عليهم، سبّوا النساء، وتعاملوا معهم بهمجية قبل أن يخضعوهم للتفتيش ويعتقلوا شقيقها، ويقتلوا ابنة عمها الطفلة، ثم يجبروهم على مغادرة المخيم.

نحو شهرين مضيا منذ بدء قوات الاحتلال الإسرائيلي عدوانها غير المسبوق على مخيمات شمالي الضفة الغربية، الذي رافقه عمليات تدمير واسعة للمباني والبنى التحتية، وتهجير قسري لنحو 40 ألف لاجئ من منازلهم.

ورافق هذه العملية العسكرية الواسعة، حملة كبيرة من قادة اليمين في حكومة الاحتلال تحرض على طرد الفلسطينيين وتهجيرهم نحو الخارج، بالتزامن مع بث الماكنة الإعلامية الإسرائيلية خطابات التهجير عبر شتى الوسائل والسبل، أقربها اليافطات الكبيرة التي علقها الجنود على شارع 60 الالتفافي وسط الضفة الغربية، التي كُتب عليها "لا مستقبل بفلسطين".

"تذويب قضية اللاجئين"

ويقول مدير المكتب التنفيذي للاجئين الفلسطينيين في مخيمات الضفة الغربية، ناصر شرايعة: "ما يجري هو تدمير كامل للمخيم الفلسطيني، من أجل جعله غير قابل للسكن والحياة، وإجبار أهله على النزوح نحو المدن والقرى والمجاورة أو إلى خارج الأراضي الفلسطينية؛ لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين".

ويسعى الاحتلال وفق شرايعة، إلى ضم مخيم جنين لبلدية جنين، وجعله حيًا من أحياء المدينة؛ بهدف تذويب قضية اللاجئين، "وفي مخيمات نور شمس وطولكرم يجري نفس الشيء".

وفيما تشير أرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" إلى وجود نحو 40 ألف نازح في شمالي الضفة الغربية، يؤكد شرايعة أن أعداد النازحين تزداد بشكل يومي مع اتساع رقعة التدمير في المخيمات ومحيطها، "ولا يوجد رقم دقيق لعدد النازحين، إلا أن نحو 70% من سكان المخيمات في طولكرم نزحوا منها، و90% من سكان مخيم جنين نزحوا منه" يضيف.

لكن ما هو المطلوب لمنع مخطط التهجير؟ يجيب شرايعة بقوله: "المطلوب دعم صمود الناس في مناطق نزوحهم الآن، فهم يعيشون قرب المخيمات على أمل الرجوع إليها، ولكن مع حجم التدمير الكبير، هناك مخاوف من عدم إمكانية رجوعهم إلى منازلهم".

ويتابع: "المطلوب تلبية الاحتياجات الأساسية لهم بتوفير مكان للسكن، والحد الأدنى من الحياة الكريمة، لأن بعض العائلات تسكن في العراء وفي بركسات وفي المدارس، وهذه العائلات بحاجة لكل شيء، فهي خرجت من مساكنها بدون شيء"، مشيرًا إلى أن هذا دور "الأونروا" حيث أن اللاجئين مسؤوليتها بالدرجة الأولى، ومسؤولية السلطة الفلسطينية بالدرجة الثانية، "وما قدم للعائلات والنازحين لا يساوي شيئًا أمام الاحتياجات المتفاقمة".

34 مليونًا لـ"تعزيز الصمود" 

وفي معرض تعليقه على دور الحكومة في مواجهة مخططات التهجير، يقول رئيس مركز الاتصال الحكومي محمد أبو الرب: "مخططات الضم والتهجير الإسرائيلية ليست جديدة، ولكنها تعمقت اليوم، والنقطة الأخطر هي خطة الاحتلال لإفراغ المخيمات وإلغاء الولاية القانونية لوكالة الغوث، وهذا هو الخطر الحقيقي".

وتابع: "هناك احتياجات أساسية من غذاء وشراب لأكثر من 40 ألف نازح، وهناك جهات مختلفة تعمل عل تلبيتها من لجان طوارئ ولجان شعبية، بينما التوجهات الأكبر للحكومة هي توفير الإيواء والعمل على خطة تعزيز صمود الناس"، مشيرًا إلى أن الاحتلال يريد تعويد الناس على وجوده في مدن الشمال، وحسم مسألة المخيمات وتحويلها إلى أحياء في المدن، "ولهذا السبب الحكومة كانت معنية بوجود مراكز إيواء تجميعية، حيث نجحت التجربة في طولكرم، ولكن في جنين كان هناك عزوف من قبل الأهالي واللجان الشعبية".

وأكد أبو الرب في حوار مع شبكة "نوى"، أن إبقاء الشواهد على هذا العدوان قائمة أمام العالم مثل مراكز الإيواء هو أمر مهم.

وحول الجهد السياسي والدبلوماسي للحكومة الفلسطينية، أضاف أبو الرب: "معظم الدول تدين خطوات الاحتلال في شمالي الضفة، ولكن العالم يتحدث بلغة المصالح، ونحن لسنا دولة نفطية ولا مصدّرة كيف يكون هناك نوع من المقايضة والضغط (..) نحن نعول فقط على الحقائق والوقائع والشواهد والقانون.. وهذا غير كافٍ".

"في أقل من 4 شهور، صرفت الحكومة مخصصات لا تقل عن 34 مليون شيقل لتعزيز صمود المواطنين في شمالي الضفة".

وعلى صعيد الخطوات العملية بعيدًا عن السياسية، تابع: "في أقل من 4 شهور، صرفت الحكومة مخصصات لا تقل عن 34 مليون شيقل لتعزيز صمود المواطنين في شمالي الضفة، سواءً ما يتعلق بإعادة وصل خطوط المياه والكهرباء، وشراء المولدات، وتسوية الطرق، وأكثر من نصف هذا المبلغ ذهب للبنية التحتية".

أما النصف الثاني من هذا المبلغ -بحسب أبو الرب- فتم توجيهه إلى سياقات أخرى، مثل البلديات، حيث صرف مؤخرًا لبلدية جنين مليون ونصف المليون شيقل، ولبلدية طولكرم مليون شيقل، وهناك مبالغ صرفت للجان الطوارئ في المحافظات، "حيث جرى صرف مليون شيقل للجنتي الطوارئ في محافظتي طولكرم وجنين، ولمحافظة طوباس 500 ألف شيقل، ولبلدية قباطية 300 ألف شيقل، ولبلدية طمون 300 ألف شيقل، ولكل لجنة شعبية كدفعة إسعافية 100 ألف شيقل".

وأكد أبو الرب، أن هذه المخصصات كانت عاجلة كميزانية تدخل طارئ، يضاف لها تسريع الحكومة في صرف ضريبة الأملاك للهيئات المحلية، إضافة إلى حوالي 10 ملايين شيقل كبدل مخصصات النقل على الطرق.

"هناك حوالي 6 آلاف وجبة يوميًا تُقدم ولا يوجد مشكلة في الغذاء، وإنما هناك مشكلة في الأموال النقدية (الكاش)؛ لذلك تم صرف كوبونات من خلال مؤسسة دولية بقيمة 250 شيقل لكل أسرة".

وأردف: "هناك حوالي 6 آلاف وجبة يوميًا تُقدم ولا يوجد مشكلة في الغذاء، وإنما هناك مشكلة في الأموال النقدية (الكاش)؛ لذلك تم صرف كوبونات من خلال مؤسسة دولية بقيمة 250 شيقل لكل أسرة، وصرف مبلغ لمرة واحدة، نحو 1500 شيقل لكل أسرة من مؤسسة دولية، وغيرها من قوافل الطرود الصحية والغذائية".

وأقرّ أبو الرب بأن كل ما ذكره، "غير كافٍ بناءً على الاحتياجات العظيمة للنازحين وأهالي المخيمات الذين أجبروا على ترك بيوتهم والنزوح منها تحت قوة السلاح".

"أدوات صمود"

المتحدث الرسمي باسم حركة "فتح" عبد الفتاح دولة، قال بدوره: "المطلوب لمواجهة ما يجري هو تماسك البيت الفلسطيني بشكل عام، وأن يكون قادرًا تحت مظلة منظمة التحرير على مواجهة هذا الخطر".

وأشار إلى ضرورة استخدام كل الأدوات الممكنة والمتاحة لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، "إذ لا قدرة عسكرية للشعب الفلسطيني لمواجهة هذا العدوان البشع، ولكننا نمتلك أدوات صمود وأدوات شعبية كثيرة لا بد من تفعيلها".

وأضاف دولة: "يجب أن يكون هناك حراك شعبي يشارك فيه الكل الفلسطيني لمواجهة العدوان وجرائم جيش الاحتلال والمستوطنين، والمضي في فرض المسار السياسي"، مردفًا بقوله حول دور حركة فتح من الحراك الشعبي: "الحركة جزء أساسي من كل اللجان الشعبية، ولجان الحراكات المنتشرة في كل القرى والمدن، ولكن للحقيقة والموضوعية الحالة الشعبية حتى تكون ناجحة يجب أن تكون جامعة، ويجب أن يكون هناك التفاف شعبي وجماهيري حول أي حالة شعبية".

وزاد: "تسعى فتح من خلال اللجنة العليا للقوى الوطنية والإسلامية، ولجنة المقاومة الشعبية، إلى تفعيل هذه الحالة لتكون حالة جماعية، لا جزئية يشارك فيها عدد محدود على النطاق الفلسطيني".

"أثر الصورة والتصريحات"

وحول أثر خطابات الاحتلال التحريضية حول التهجير، وما يجري من دعاية لذلك بشتى الوسائل، يرى الكاتب فلسطيني والمحاضر الجامعي السابق في علم الاجتماع والدراسات الثقافية، وسام رفيدي، أن "الاحتلال يهدف إلى قضيتين أساسيتين، الأولى هي ترسيخ فكرة أن لا مكان للفلسطيني على هذه الأرض، وهذا الأمر بدأ منذ 77 عامًا، ولم ينجح، فالعقلية الفلسطينية متثبتة من أحقية أصحابها بالأرض، رغم كافة المحاولات التضليلية عبر الإعلام، ومواقع التواصل"، أما القضية الثانية (والحديث لرفيدي) فتتعلق بمحاولة الاحتلال "ترسيخ أن حقيقة المشروع الصهيوني يقوم على التهجير في ثنايا المجتمع الإسرائيلي، لدفعه إلى رفض أي تسوية ممكنة مستقبلًا مع الشعب الفلسطيني".

وتابع رفيدي: "ما يحدث هو مفصل تاريخي صعب، كشف عن وجه الاحتلال ودعايته القديمة حول إمكانية تعايش شعبين على أرض واحدة"، مشيرًا إلى أن محاولات التهجير الإسرائيلية كلها ستبوء بالفشل "فالشعب الفلسطيني تعلم من تجاربه التاريخية، وما يدعم هذا، أن التهجير يمس بالأمن القومي للدول العربية المجاورة، التي رفضت التهجير وكان موقفها إيجابيًا".

وحول تأثير ضخ الصور والمعلومات والتعليمات، والتصريحات المتتابعة حول عمليات التهجير القسري، في ذهن المواطن الفلسطيني، يخبرنا: "بالتأكيد يمكن أن تؤثر على بعض الأفراد، لكنها لن تؤثر في المستوى الشعبي ككل، وقد لمسنا هذا في قطاع غزة، حين جرى فتح مسار من الشمال إلى الجنوب، بعد عملية عسكرية واسعة في الشمال، ومع ذلك بقي 550 ألف مواطن في الشمال، بالتالي هناك إصرار على عدم الهجرة".

إذن، كيف يمكن مواجهة خطاب التهجير؟ المحاضر الجامعي السابق رفيدي لا يراهن على المستوى الرسمي الفلسطيني، "فهو يعيش في مستوى آخر قائم بذاته، وكأنه لا علاقة له بما يجري على الأرض، وسلوكه الأساسي قمع حركات المقاومة" وفق تعبيره.

ويضيف: "أما الرواية الشعبية، وتوثيق الشهادات، وشبكات التواصل الاجتماعي، فلها دور أساسي على المستوى الإعلامي في هزيمة الرواية والسردية الإسرائيلية، "وقد لعبت دورًا كبيرًا على المستوى العالمي بعد 7 أكتوبر".

ودعا رفيدي إلى تكثيف الأنشطة ذات الطابع الشعبي والثقافي، وترسيخ التجربة التاريخية، التي تؤكد أن الشعب الفلسطيني يتعرض منذ الأزل لعمليات محو، لكنها لم تنجح بفضل ثباته وصموده ويقينه بأحقيته بأرضه كاملة وحرة".

كاريكاتـــــير