شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 01 يونيو 2026م19:52 بتوقيت القدس

في غزة يفتقدون كل طقوسه..

"رمضان" الذي لا يشبه "صورته".. قبل "الإبادة"!

19 مارس 2025 - 12:15

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بعد ساعاتٍ من العراك مع نار الحطب، كي لا تنطفئ قبل الانتهاء من إنضاج طعام الفطور، تجلس إسلام ياسر أمام المائدة برفقة عائلتها الصغيرة، وتنتظر الأذان.

غصّةٌ كانت تقف في حلقها، بينما ترى المائدة، تقتصر على صينية معكرونة بالصلصة! بعدما كانت قبل عامين تضجّ بأصنافٍ يشتهيها كل طفلٍ من أطفالها على حدة.

"ضجيج الولائم، وسهرات الأحبة، وأصناف الحلويات، وتلك الزاوية الرمضانية.. لم تعد موجودة! كل هذا نفتقده لثاني مرة، بسبب الإبادة".

حتى "اللمة"، وضجيج الولائم، وسهرات الأحبة، وأصناف الحلويات الشرقية والغربية، وتلك الزاوية الرمضانية المريحة المتألقة بإضاءتها ورونقها، لم تعد موجودة! "كل هذا نفتقده لثاني مرة، بسبب الإبادة التي طالت أرواحنا قبل أن تطال بيوتنا وأجسادنا" تعقب.

وتقول بأسى: "اشتقت لرمضان الذي سبق الإبادة، كانت الحياة بالكاد قد بدأت تشرع أبوابها لنا في غزة، وكانت لرمضان طقوسه الخاصة بنا. لا يمكنني أن أنسى أننا فشلنا هذا العام في تناول طبق الملوخية مع الدجاج المحشي، في أول أيام الشهر الفضيل"، في إشارةٍ لأحد أهم طقوس شهر رمضان في قطاع غزة.

وتضيف: "نفتقد وجود اللحوم بأشكالها المختلفة منذ بداية رمضان؛ بسبب إغلاق المعابر، واختفائها من السوق، وإن وجدت فأسعارها فلكية"، مردفةً: "لقد ألغت معظم العائلات وجبة السحور، وهذا ليس ترفًا، ولا من باب التغيير، لكنه واقعٌ فرضه علينا انقطاع غاز الطهي".

وتتساءل: "كيف يمكن أن نتدبر أمورنا في ساعات ما قبل الفجر لتحضير وجبة السحور، من إشعال النار في الليل الدامس، وتحمل دخانه، إلى انعدام الأصناف أصلًا".

بنفس السياق، تصف السيدة الأربعينية أم محمد الحسنات "رمضان غزة"، وتقول: "لا يشبه رمضان أبدًا".

وتكمل: "الاحتلال حرمنا من أدنى حقوقنا، من تأدية طقوسنا الرمضانية، والحفاظ على ما تبقى من روحانيات تعيد لنا بعضًا من حياتنا التي فقدناها ونحن ما زلنا على قيد الحياة".

لا تتوقف أم محمد عن "الحوقلة" بينما تتجول في السوق يوميًا -منذ نحو 10 أيام- بحثًا عن كيلو من الغاز، في السوق السوداء "هكذا يسمونها"، وهو اسمٌ لمكانٍ ارتبط وجوده داخل قطاع غزة بالإبادة.

تخبرنا: "في الوقت الذي لم نتمكن فيه من تعبئة أنبوبة الغاز بشكل شرعي، يمكن أن نجد غاز الطهي متوفر في نقاط بيع غير رسمية، لكنه بأسعار تفوق الخيال، كنت أريد أن أشتري كيلو غاز، لكنني صدمت بأن سعر الكيلو الواحد يتجاوز مئة شيكل"، متسائلة بعصبية: "كيف أصبح غاز الطهي متوفرًا في هذه الأسواق وبكثرة، في حين كلما سألنا المندوب الخاص بمنطقتنا عن موعد التعبئة، يخبرنا بأن غاز الطهي لم يدخل منذ إغلاق المعبر قبل ثمانية أيام؟".

حال أم محمد هو حال آلاف الأسر في قطاع غزة، التي لا تعرف من أين تتلقى الضربة! كثيرةٌ هي الأزمات التي تواجه مواطني القطاع، لا سيما في شهر رمضان المبارك، وهو ما حرم هذه الأسر من تأدية الشهر الفضيل بطقوسه المتعارف عليها، وأفقدها الشعور بنفحات شهر الصيام.

تزيد السيدة بحرقة: "كنا نلتزم بطقوس الشهر كل عام، لكننا للعام الثاني على التوالي نتخلى عن أهمها قسرًا. بعد مغيب الشمس ينتهي حتى التفكير بتلاوة القرآن نتيجة انقطاع الكهرباء وضعف الإضاءة البديلة. الطعام أصنافه محدودة وأغلبها معلبات، لا مقبلات، ولا حلويات. لا شيء من رمضان الذي نعرفه".

"كثير من الدموع يذرفها طفلي الذي لم يكمل عامه الثاني عشر بعد في كل يوم على موعد الفطور، وبالكاد يقبل بتناول الطعام. ليس هذا ما كنا نأكله في السابق، يقول وهو يقاوم المزيد من الدموع التي تنهمر رغمًا عنه".

وتكمل: "كثير من الدموع يذرفها طفلي الذي لم يكمل عامه الثاني عشر بعد في كل يوم على موعد الفطور، وبالكاد يقبل بتناول الطعام. ليس هذا ما كنا نأكله في السابق، يقول وهو يقاوم المزيد من الدموع التي تنهمر رغمًا عنه، فهو يفتقد الكثير من العادات الرمضانية التي ينتظرها كل عام".

وتتحدث أمل أبو ندى أيضًا، عن الحرقة التي تصيب أطفالها أمام مائدة الفطور، مؤكدةً أنها مثل سابقتيها ألغت وجبة السحور من قاموس العائلة، إلا من بعض حبات التمر وكوب الماء.

تخبرنا: "بعد يوم طويل من الصيام، والأعباء البدائية من حمل الماء ونقلها، وجمع الحطب وتوفيره، وتثبيت الخيام، يجد أبناؤنا طعامًا لم يعهدوه من قبل في شهر الصيام.. معكرونة، وفاصولياء، ومجدرة، ومعلبات البازيلاء، هذا إن وجدنا الحطب لنعد الطعام أصلًا".

وتفتقد الشابة هدى مطاوع طقوس رمضان قبل الحرب، وتقول: "كانت أمي تعد ما لذ وطاب من الطعام، وتحرص على أن تصنع لنا أشكالًا مختلفة من الحلويات، لكنني اليوم نسيت كيف هو طعم هذه الأشياء".

تتابع: "اعتدنا خلال رمضان منذ طفولتنا أن يكون شهر تبادل الزيارات، والدعوات لتناول الإفطار، فإما أن نكون نحن أصحاب الدعوة أو أن نكون مدعوين في بيت أحدهم، وكانت تحلو ليالي رمضان بلمة العائلة والأصحاب".

تصمت قليلًا، ثم تستدرك بحسرة قبل أن تنخرط في دوامة بكاءٍ مرة: "لكننا بفعل إغلاق المعابر اليوم، نقف عاجزين أمام أبنائنا حتى عن إكفاء ذواتنا، بعد أن اختفت اللحوم بأنواعها عن سفرة رمضان، واستبدلت بأطباق لا تسمن ولا تغني من جوع".

كاريكاتـــــير