شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:11 بتوقيت القدس

حرق القمامة.. أحلى "المُر" في خيارات البقاء بغزة!

13 مارس 2025 - 14:41

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

وسط أكوام القمامة المتكدسة في أحد شوارع حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، يمسك الشاب وسيم أبو هور (27 عامًا) بقداحةٍ قديمة، ويُشعل النار في كومة نفايات تراكمت أمام منزله.

تتصاعد ألسنة اللهب مصحوبة بدخان أسود كثيف، بينما يراقب وسيم المشهد بنظرة يائسة، ويقول لـ"نوى": "ما عندي خيار تاني.. الريحة (الرائحة) تخنقنا، والحشرات صارت ضيفًا دائمًا في البيت. كل يوم يمر بدون حضور البلدية لجمع هذه النفايات، يفاقم الكارثة أكثر".

يعي وسيم تمامًا المخاطر الصحية والبيئية لما يفعله، "لكن ما باليد حيلة. بدنا نعيش" يعقب، مضيفًا بحسرة: "لدي أطفال، ولا أستطيع تركهم يتعايشون مع مشهد القمامة كوضع طبيعي. لست مرتاحًا لخيار حرقها، لكن ليس أمامنا بديل".

تتكدس النفايات في أحياء غزة نتيجة عجز البلديات عن جمعها، في ظل نقص حاد في الآليات والوقود اللازم لتشغيل سيارات جمع القمامة.

هذا النقص تفاقم منذ أن أغلقت "إسرائيل" معبر كرم أبو سالم مطلع مارس/ آذار الجاري، ما أدى إلى منع دخول الوقود والبضائع، بما في ذلك مستلزمات تشغيل المرافق الأساسية.

ومع توقف شاحنات النظافة عن العمل، تحولت الشوارع وأزقة المخيمات إلى مكبات مفتوحة للنفايات، ما يُعرّض السكان لأخطار بيئية وصحية متزايدة، خاصة مع انتشار الحشرات والروائح الكريهة التي تهدد بانتشار الأوبئة.

أضرار صحية

على الجانب الآخر من الحي، تطل جارة وسيم، السيدة أم حسام حجو (55 عامًا)، من نافذة منزلها وهي تحاول عبثًا تجنب سحب الدخان الأسود المتصاعدة. تعاني أم حسام من مرض الربو، ويزيد الدخان من تدهور حالتها الصحية.

تقول أم حسام لـ"نوى"، محاولةً التقاط أنفاسها بصعوبة: "لم أعد أحتمل هذا الدخان، كلما اشتعلت النفايات اختنقنا. وضعي الصحي يتدهور، وأشعر أنني أفقد قدرتي على التنفس شيئًا فشيئًا. الأدوية لم تعد تنفعني كما في السابق، وأقضي الليل مستيقظة بسبب السعال".

وتتابع بنبرة حزينة: "لا ألوم جيراني، أعلم أن وسيم مضطر لفعل ذلك، فالجميع يعاني. لكنه دخان خانق يقتلني ببطء. أصبح الهواء ملوثًا حتى داخل منزلي".

رغم معاناتهما، يجد وسيم وأم حسام نفسيهما ضحيتين لنفس الأزمة. وسيم يحرق النفايات مجبرًا لحماية عائلته من الأوبئة، بينما تكافح أم حسام من أجل استنشاق هواء نقي لم يعد متاحًا في حيّها.

"نحن محاصرون من كل جهة، حتى النفايات لم يعد لدينا مكان نتخلص منها فيه"، يختم وسيم بمرارة، مردفًا بيأس: "لو كان أمامي حل آخر، لما لجأت إلى الحرق".

خطر جسيم

ويؤكد الخبير البيئي الفلسطيني، د.عبد الفتاح عبد ربه، أن حرق النفايات بين الأحياء السكنية في غزة يشكل خطرًا جسيمًا على صحة الإنسان والبيئة، محذرًا من التداعيات طويلة المدى لهذه الممارسات الاضطرارية.

وأوضح عبد ربه لـ"نوى" أن "الدخان الأسود المنبعث من حرق النفايات، يحتوي على مزيج من الغازات السامة، أبرزها أول أكسيد الكربون، والديوكسينات، والفوران، وهي مركبات شديدة السُّمية ترتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض القلب، وحتى السرطان على المدى الطويل".

وأضاف: "الأطفال وكبار السن، خاصة المصابين بأمراض مزمنة مثل الربو والتهاب الشعب الهوائية، هم الأكثر عرضة للتأثر باستنشاق هذه الأدخنة"، ملفتًا إلى أن "هذه الملوثات لا تؤذي الجهاز التنفسي فقط، بل قد تصل إلى مجرى الدم، مما يفاقم المشاكل الصحية".

وبيّن عبد ربه أن التأثير البيئي لا يقل خطورة، موضحًا أن "حرق النفايات يطلق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون والميثان، مما يساهم في زيادة الاحتباس الحراري. كما أن بقايا الحرق الملوثة تتسرب إلى التربة وتلوث المياه الجوفية، مما يشكل تهديدًا مباشرًا على النظام البيئي بأكمله".

وختم عبد ربه حديثه بالتأكيد على أن "هذه الممارسات تعكس عمق الأزمة الإنسانية والبيئية التي يعاني منها سكان غزة، في ظل استمرار الحصار، ومنع إدخال المعدات والوقود اللازمين لإدارة النفايات بشكل آمن"، مشددًا على ضرورة "تدخل المنظمات الدولية لتوفير حلول عاجلة، تضمن حماية السكان من هذا التلوث القاتل".

نقص الوقود والمعدات

وفي ظل استمرار الحصار الإسرائيلي وإغلاق معبر كرم أبو سالم منذ مطلع مارس الجاري، أصدرت بلدية غزة بيانًا تحذر فيه من كارثة صحية وبيئية نتيجة تراكم النفايات في شوارع المدينة.

وأوضحت البلدية أن تراكم النفايات يعود إلى عدة عوامل، أبرزها منع الاحتلال الإسرائيلي طواقمها من الوصول إلى المكب الرئيس شرقي المدينة، وتدمير نحو 80% من آليات جمع النفايات خلال العدوان المستمر منذ أكثر من 15 شهرًا، بالإضافة إلى نقص الوقود اللازم لتشغيل المتبقي من الآليات.

وأشارت البلدية إلى أنها نفذت حملات لجمع وترحيل النفايات من شوارع وأحياء المدينة إلى مكبات مؤقتة، إلا أن هذه الجهود لم تكن كافية للتعامل مع حجم النفايات المتراكمة.

وأضافت: "استمرار هذه الأزمة قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الصحية والبيئية في المدينة، مما يستدعي تدخلًا عاجلًا من الجهات المعنية والمجتمع الدولي؛ للضغط على الاحتلال من أجل فتح المعابر، والسماح بدخول المعدات والوقود اللازمين لعمل البلديات.

كاريكاتـــــير