غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على سريرٍ معدني داخل أروقة مستشفى شهداء الأقصى، بدير البلح وسط قطاع غزة، تئن نور. رغم ذلك لا تتوانَى لحظةً عن الابتسام لكل من دخل غرفتها ليلقي التحية.
نور برهوم (26 عامًا)، هي أم لطفلٍ صغير اسمه يامن، وخريجة علوم تغذية وصحة عامة، كانت تنعم بحياة مستقرة في منزلها مع صغيرها وزوجها، وكل همها الحصول على فرصة عمل بتخصصها، يساند عائلتها في معيشةٍ كريمة، لولا أن جاءت الحرب، وقلبت حياتها رأسًا على عقب.
"ضربت نحونا قذيفة مباشرة، قذفتني على بعد 15 مترًا من مكان وقوفي. طار مني ابني الذي كان بين ذراعي، ودخلت في غيبوبة بعد أن نطقت الشهادتين".
تعرضت نور في التاسع والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي لإصابة بقذيفة مدفعية إسرائيلية، بينما كانت نازحةً في مخيم النصيرات وسط القطاع، هروبًا من الجحيم في رفح جنوبًا. تروي ما حدث فتقول: "في ذلك اليوم، كاد المنزل يقع فوق رؤوسنا. احتضنت يامن (3 سنوات)، وطبطبت على كتفه لأسكت خوفه، وجلست في زاوية صغيرة في بيت جدي، لكن الجميع صار يصرخ: علينا الخروج حتى لا نموت".
تكمل نور: خرج الجميع، وبينما أنا عند باب المنزل أنتظر حماتي، ضربت نحونا قذيفة مباشرة، قذفتني على بعد 15 مترًا من مكان وقوفي. طار مني ابني الذي كان بين ذراعي، ودخلت في غيبوبة بعد أن نطقت الشهادتين".
ظنّ كل من شهد الحدث أن نور استشهدت، ونقلوها بالإسعاف على هذا الأساس، "وطوال الطريق كنت أسمع صوت أمي خافتًا يناديني، بينما أنا لا أرد. شعرتُ بيدها تمتد إلى طفلي يامن الذي كان بحضني دون حراك وتبكي، فأيقنت أنها ظنت أنني استشهدت، وأنني فقدت طفلي للأبد".
"مكثت في العناية المكثفة لمدة 23 يومًا، استؤصلت أمعائي، وتهتك عندي البنكرياس والكبد بسبب الشظايا، وأصبت بكسور في كافة أنحاء جسدي".
بمجرد وصولها، خضعت نور لعدة عمليات جراحية؛ لإنقاذ حياتها، بعد أن كانت نسبة عودتها للحياة واحد بالمئة فقط، لكن ما حدث معها كان أشبه بمعجزة.
تزيد: "مكثت في العناية المكثفة لمدة 23 يومًا، استؤصلت أمعائي، وتهتك عندي البنكرياس والكبد بسبب الشظايا، وأصبت بكسور في كافة أنحاء جسدي".
طوال فترة وجودها تحت رحمة الأجهزة الطبية في العناية المكثفة، "كنت أفكر بيامن" تخبرنا، وتزيد: "كأنني أرى المشاهد الآن. رأيته يكبر أمام عيني، ويذهب إلى المدرسة، وأنا أودعه بقبلة وعناق، وأراجع معه الدروس بعد العودة. أضحك معه وآخذه إلى الملاهي.. كل هذا رأيته، وأنا التي أعرف في قرارة نفسي أنه استشهد، لكن لا أريد أن أصدق".
تكمل: "كان يامن قطعة من روحي وصديقي وابني، كان دائمًا يخاف من القصف، فأربت على كتفيه وأقول له لا تخف، أنت رجل، وماما بجانبك.. أنا سوف أحميك".
ابتسم الطبيب لنور كما لو أنه شرب ماءً باردًا أنعش قلبه للتو. وشكرها، وأثنى على صبرها، تقول: "عاد بعدها لعمله بقوة ونشاط، وخرج من الغرفة ضاحكًا مستبشرًا".
كان عجيبًا بالنسبة لامرأة مثل نور فقدت طفلها ونجت بأعجوبة من مجزرة، وفقدت أفرادًا من عائلتها أن تحافظ على رباطة جأشٍ مختلفة. تروي التفاصيل برضًى تام. وتؤكد عدم احتياجها لدعمٍ نفسي، فهي التي كانت تدعم المحيطين بها أصلًا.
تذكر موقفًا عايشته في غرفة العناية المكثفة، فتقول: "أثناء علاجي، كان يتابع حالتي طبيب يعاني من حالة يأس شديدة. كان مقهورًا لأنه لم يحصل على وظيفة، ويعمل بشكل تطوعي. عرفتُ ذلك في سياق حديثه مع صديقه الطبيب في نفس المتابعة، الذي قال له بعد شرح الموضوع: يبدو أنك ستدخل في حالة اكتئاب حادة".
تكمل: "عندما أنهى متابعته للموجودين في الغرفة، وهم بالخروج، رفعت جهاز الأكسجين عن فمي وأنفي، وناديته بصوت متعب: دكتور لو سمحت.. ممكن تسمعني".
تقول: "أخبرته بما حدث معي، وأنني فقدت ابني حبيبي، وحل بي ما حل بي، وتعلمت، ولم أحصل على فرصة عمل، لكن الله يعوض كل إنسان عن تعبه، ويجزيه عن صبره، لذلك لا تيأس.. الله سيختار لك الأفضل".
"رغم ما حدث إلا أنني ما زالت متمسكة بشعاع من الأمل المتجدد. أنا متأكدة أن الله سيعوض صبري ووجعي هذا خيرًا. سأحصل على الوظيفة التي حلمت بها، وسأشفى من أوجاعي".
ابتسم الطبيب لنور كما لو أنه شرب ماءً باردًا أنعش قلبه للتو. وشكرها، وأثنى على صبرها، تقول: "عاد بعدها لعمله بقوة ونشاط، وخرج من الغرفة ضاحكًا مستبشرًا".
كانت المهمة ثقيلة. نور وبرغم وجعها، كانت بلسمًا لقلب شقيقتها أيضًا التي فقدت ولديها معًا، ولشقيقها الذي فقد زوجته وأطفاله كلهم، إثر ارتكاب الاحتلال مجزرة في مربع سكني كانت تعيش وسطه عائلتها، قبل أن تنزح إلى بيتها في النصيرات.
تختتم نور التي كان لها من اسمها نصيب، بالقول: "رغم ما حدث إلا أنني ما زالت متمسكة بشعاع من الأمل المتجدد. أنا متأكدة أن الله سيعوض صبري ووجعي هذا خيرًا. سأحصل على الوظيفة التي حلمت بها، وسأشفى من أوجاعي، وسأعود لأمشي على قدميّ، وأضحك للحياة التي أمرنا الله أن نسعى فيها حتى نلاقي العطاء".
























