غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يقف سعد العبسي، الفتى ذو الخمسة عشر عامًا، في طابور طويل أمام مخبز أبو اسكندر شمالي مدينة غزة منذ ساعات الفجر الأولى، عينه على نافذة المخبز المغلقة، ويده تتشبث بكيس قماشي ستوضع فيه ربطة الخبز حين يحين دوره.
أمامه عشرات الرجال والنساء، وكل منهم يحمل همّه الخاص، بينما خلفه يستمر الطابور في الامتداد وكأنه لن ينتهي أبدًا.
"جئت إلى هنا منذ الخامسة صباحًا"، قال سعد لـ"نوى" وهو يمسح العرق عن جبينه رغم برودة الجو. "أمي أرسلتني كي أحصل على ربطة خبز قبل أن يختفي كما حدث بالأمس، لكن المخبز لم يفتح أبوابه إلا بعد الظهر".
"أمي أرسلتني كي أحصل على ربطة خبز قبل أن يختفي كما حدث بالأمس، لكن المخبز لم يفتح أبوابه إلا بعد الظهر".
عندما فتح المخبز بابه أخيرًا، اندفع الناس للأمام، ووجد سعد نفسه مضغوطًا بين الأجساد المتدفقة، حتى كاد يسقط. أمسك كيسه بقوة، وتقدم ببطء حتى حصل على حصته أخيرً، لكنه فوجئ بأن السعر قد ارتفع.
يقول بحسرة: "في الأسبوع الماضي كانت الربطة بـ(3) شواكل، واليوم أصبحت بـ(5)، وأحيانًا يصل سعرها لـ(9) شواكل عند شرائها من الباعة الجائلين"، مضيفًا: "لا أعرف إلى متى ستستمر هذه المعاناة، لكنني أشعر أننا لن نخرج منها قريبًا".
عاد سعد إلى المنزل متعرقًا، يحمل الربطة وكأنه كنز ثمين، لكنه يعلم أنه سيعود غدًا إلى الطابور، وربما يجد السعر قد ارتفع أكثر.

على امتداد أزقةٍ وشوارع ممتدة في قطاع غزة، يصطف الرجال والنساء والأطفال في طوابير طويلة أمام المخابز القليلة التي لا تزال تعمل، بعدما أغلقت معظمها أبوابها بسبب نفاد غاز الطهي.
وبرغم أن سعر ربطة الخبز العادية بوزن (2 كغم)، لم يكن سعره يتجاوز شيكلين اثنين قبل عدة أسابيع، إلا أنه مع تراجع مخزون الغاز وعودة الطوابير، قفز تدريجيًا، حتى وصل إلى 5 شواكل في بعض المناطق، بل ارتفع ليتراوح بين 7 و8 شواكل، حين يعاد بيعها في السوق السوداء، من قبل بعض الصبية الذين يستغلون الأزمة.
منذ إغلاق معبر كرم أبو سالم، تفاقمت الأزمة الإنسانية في غزة بشكل كبير، حيث منع الاحتلال دخول المساعدات الغذائية والوقود، مما أدى إلى إغلاق العديد من المخابز.
ومنذ إغلاق معبر كرم أبو سالم في الثاني من آذار/مارس 2025م، تفاقمت الأزمة الإنسانية في غزة بشكل كبير، حيث منع الاحتلال دخول المساعدات الغذائية والوقود، مما أدى إلى شح المواد الأساسية وإغلاق العديد من المخابز.
ومع نقص غاز الطهي، اضطرت بعض المخابز إلى التوقف عن العمل، ما أعاد الطوابير الطويلة أمام القليل منها، التي لا تزال تعمل لتصدر المشهد، حيث ينتظر المواطنون لساعات؛ من أجل الحصول على الخبز.
كما تزايدت التحذيرات من كارثة إنسانية وشيكة نتيجة نقص الوقود والمواد الغذائية، ما قد يؤدي إلى انهيار المرافق والخدمات الأساسية في القطاع.
شح المواد في الأسواق أجبر العائلات على تقنين استهلاكها وسط ارتفاع الأسعار، بينما تتواصل المطالبات بضرورة فتح المعبر بشكل عاجل؛ لتفادي المزيد من التدهور في الوضع المعيشي للسكان.
معركة الخبز اليومية
على موقد الحطب في ركن صغيرٍ داخل بيتها، جلست أم وسام أبو غالي تنفخ في النار التي أوقدتها منذ ساعات. تحاول أن تخبز بعض الأرغفة لأطفالها الخمسة، بعدما فقدت الأمل في الوقوف أمام الطوابير المزدحمة على أبواب المخابز.

"أنا مريضة، لا أستطيع الوقوف لساعات كما يفعل الآخرون"، قالت "نوى" وهي تحرك العجين بحذر. "في البداية، كنت أرسل ابني، لكنه لم يعد يحتمل الطوابير، لذا قررت أن أعود لطريقة أمهاتنا القديمة".
لكن الخَبز على الحطب ليس بالأمر السهل، فالدخان يخنق أطفالها، والحرارة تحرق يديها، ورغم ذلك، تبقى الكمية التي تصنعها قليلة ولا تكفي ليوم كامل.
"كنا نشتري الدقيق بـ100 شيكل للكيس خلال الحرب، وعندما بدأ المعبر يعمل، انخفض إلى 40 شيكل، لكن الآن لا نعرف إن كان سيبقى بهذا السعر أم سيرتفع مجددا"، قالت بقلق.
تنظر إلى رغيف الخبز المتشقق بين يديها وتقول: "هذا ليس خُبزًا كما اعتدنا عليه، لكنه أفضل من لا شيء، على الأقل لا ننام جائعين".
الخبز لمن يدفع أكثر
وعلى بعد خطوات من المخبز، كان أحمد الغول، الرجل الأربعيني، يتفاوض مع أحد الصبية الذين اشتروا الخبز لإعادة بيعه بسعر أعلى. كان يحمل حفنة من الشواكل في يده، يقلبها بين أصابعه، مترددًا.
"قبل يومين، اشتريتها بـ4 شواكل، واليوم يريدون 7 أو 8 شواكل"، يقول لـ"نوى" وهو يضغط على أسنانه بغضب. "كيف يمكن لشخص بلا عمل أن يدفع هذه المبالغ كل يوم؟" يتساءل بانفعال.
"قبل يومين، اشتريتها بـ4 شواكل، واليوم يريدون 7 أو 8 شواكل. كيف يمكن لشخص بلا عمل أن يدفع هذه المبالغ كل يوم؟" يتساءل بانفعال.
الغول كان يعمل في البناء، لكن الحرب أوقفت كل شيء، وأصبح يعيش على المساعدات التي بالكاد تكفي لأطفاله الأربعة. كان يأمل أن تتحسن الأوضاع بعد الهدنة، لكن استمرار إغلاق المعبر أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر.
"أمس اضطررنا لأكل البطاطا فقط في الإفطار، واليوم لا أدري كيف سنتدبر وجبة السحور"، قال وهو يدس نقوده في جيب الصبي، ويأخذ الربطة ويمضي.
أزمة بلا حلول
ويقول الصحفي والباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر لـ"نوى": "إن استمرار إغلاق معبر كرم أبو سالم، أدى إلى تفاقم أزمة غاز الطهي في قطاع غزة، حيث تعتمد الحياة اليومية للسكان على استمرارية تدفقه"، مشيرًا إلى أن القطاع يحتاج يوميًا إلى ما بين 450 و500 طن من غاز الطهي؛ لتغطية احتياجات المنازل والمخابز والمطاعم.
ونبه إلى أن أزمة غاز الطهي تفاقمت بشكل كبير في مارس/آذار 2025م، مع استمرار إغلاق المعبر لليوم السابع على التوالي، ما أدى إلى نفاد الغاز من المخابز والمطاعم والمطابخ الخيرية، ودفع العديد من الأسر إلى اللجوء إلى وسائل بديلة مثل الحطب، رغم المخاطر الصحية الناجمة عن ذلك، "التي عانوا من تبعاتها طوال أشهر الإبادة".

وأكد أبو قمر أن تداعيات هذه الأزمة طالت مختلف جوانب الحياة اليومية، موضحًا أن العديد من المخابز توقفت عن العمل، ما أدى إلى زيادة الطوابير أمام المخابز القليلة التي لا تزال تعمل، وارتفاع أسعار الخبز، حيث ارتفع سعر الربطة من 3 شواكل إلى ما بين 7 و8 شواكل بسبب قلة المعروض وزيادة الطلب.
وأضاف: "لم تتوقف الأزمة عند المخابز فقط، بل امتدت إلى المؤسسات الخيرية، التي كانت توفر وجبات مجانية للفقراء والنازحين، واضطرت إلى تعليق عملها بسبب نقص الغاز والمواد الغذائية".
وشدد الباحث الاقتصادي على أن استمرار إغلاق المعبر ومنع دخول غاز الطهي يهددان حياة السكان، داعيًا إلى ضرورة فتح المعبر بشكل مستمر، وتوريد الكميات اللازمة من الغاز؛ لتخفيف معاناة المواطنين.
























