شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 24 ابريل 2026م01:39 بتوقيت القدس

شهداء "الهيبارين".. "أجنّة" بين ضحايا "الإبادة"!

06 مارس 2025 - 08:33

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن تفكيرها المفرط في "الانتحار" بسبب الانقلاب الفجائي في حياتها بعد السابع من أكتوبر 2023م، وما تلاه من تبعات النزوح المُرة وحسب. "كان السبب الرئيس أنني حرمت من فرصتي الأخيرة في الإنجاب بسبب عدم قدرتي على توفير إبر الهيبارين".

تحكي غادة (اسم مستعار) لـ"نوى"، كيف بدأ المجتمع يجلدها لأنها لم تنجب بعد سنواتٍ طويلة من الزواج، وكانت في كل مرةٍ ينجح فيها الحمل لديها، يُجهض بعد وقتٍ قصير، حتى قرر الأطباء -بعد إجراء التحاليل- أنها مصابة بتخثر الدم، "الذي يحتاج للمداومة على إبر الهيبارين".

تقول: "أخبرني الطبيب أن عليّ أخذ إبرة من الهيبارين يوميًا، لكنني وجدت أن المبلغ عن الإبرة يفوق قدراتي المادية، وزوجي لا يتعدى راتبه 1200 شيكل في الشهر!".

لم تجد آنذاك حلًا سوى بيع مصاغها، بدون علم أهلها، وتخبئة قيمته نقودًا حتى حدوث الحمل، "لكن بدأت الحرب، في أكتوبر 2023م، وحرقت كل أحلامي وكل ما أملك ذهب في مهب الريح" تستدرك.

نزحت غادة من مخيم جباليا تحت أصوات القذائف والصواريخ، حتى وصلت إلى مواصي خانيونس، فعاشت في خيمة متهالكة من بقايا القماش والنايلون، لكن الله شاء أن تحمل في بطنها جنينًا آنذاك.

"عند الذهاب لتوفير الحقن، أخبرني الصيادلة بأنها غير متوفرة. كانت مشاعر الأمومة تكبر وتتعاظم في داخلي، لكن الاحتلال أعدمها قبل أن تبصر النور".

تخبرنا: "عند الذهاب لتوفير الحقن، أخبرني الصيادلة بأنها غير متوفرة. كانت مشاعر الأمومة تكبر وتتعاظم في داخلي، لكن الاحتلال أعدمها قبل أن تبصر النور".

وتزيد: "أنفقتُ كل قيمة مصاغي على شراء الدقيق والخضار بسبب غلاء الأسعار، وظللتُ أتردد على المشافي والعيادات الخاصة؛ أملًا في الحصول على الدواء دون فائدة، حتى أنني ناشدت منظمة أطباء بلا حدود والصليب الأحمر والهلال الأحمر ومنظمة الصحة العالمية؛ لتوفير الإبر حتى يستمر حملي ويبقى أملي في الأمومة حيًا دون جدوى (..) يا للأسف أجهض الجنين".

تعقب بحسرة: "هنا فكرة حرفيًا بإنهاء حياتي، لكنني توقفت في اللحظة الأخيرة، عندما استيقظت على صوت ضميري يخبرني بأن هذا حرام. هذا اعتراض على قضاء الله".

ولم يكن حال أسماء أفضل. هي أمٌ لثلاثة أبناء، لكنها أنجبتهم بشق الأنفس! كانت في كل حمل ترافقها إبر الهيبارين حتى تنجب، لكنها حملها الأخير جاء في الحرب، وأعدمه الاحتلال بتعنته، عندما منع دخول هذه الإبر طوال فترة الإبادة، وحتى هذا الوقت.

أسماء، بقيت شمالي غزة، لكنها كانت دائمة النزوح من منطقة لأخرى بسبب الاجتياحات المتكررة والقصف لمنطقة سكناها في السودانية قرب شاطئ البحر. خلال ذلك شعرت بأعراض الحمل، وبعد التحليل تأكدت. سارعت إلى الصيدلية لشراء حقن الهيبارين حتى لا يهلك الجنين، لكنها فوجئت بأنها مقطوعة تمامًا، "وقد منعت السلطات الإسرائيلية إدخالها إلى قطاع غزة في ذات الوقت سمحت فيه بإدخال النسكافيه والبسكويت بوفرة" تعقب متهكمة.

"الله وحده يعلم حجم العناء الذي تكبدته في إجهاضاتي المتكررة، وفي البحث عن إبر الهيبارين، وفي المال الذي كنا نوفره لأجل شرائها. هذه المرة لم يشفع لنا حتى وجود المال، كانت مقطوعة تمامًا".

وتزيد: "الله وحده يعلم حجم العناء الذي تكبدته في إجهاضاتي المتكررة، وفي البحث عن إبر الهيبارين، وفي المال الذي كنا نوفره من طعامنا وشرابنا لأجل شرائها. هذه المرة لم يشفع لنا حتى وجود المال، فهي مقطوعة تمامًا".

تمسكت أسماء بحملها الجديد، لا سيما بعد فقدانها عددًا من إخوتها وأخواتها، محاولةً طرق كل الأبواب لإيجاد الإبر، لكنها في النهاية أجهضته. "شعرتُ بأن روحي خرجت من جسدي. نحن نفقد حتى مشاريع الأمل في غزة بسبب الاحتلال".

ويحكي الدكتور نعيم أيوب، المدير العام لمستشفى الصحابة الطبي في قطاع غزة لـ"نوى": "السيدات الحوامل المصابات بتخثر الدم وفق تحليل الثيرمبوفيليا، يحتجن لأخذ إبر الهيبارين أو إبر اكليكسان طوال فترة الحمل، لمرة يوميًا أو مرتين أسبوعيًا، لكن الحرب أثرت على هذا البرنامج بشكل كبير عند معظم السيدات المصابات".

ويقول: "أثرت الحرب بشكل كامل على قطاع الأدوية وتوفرها في غزة، لا سيما مثبتات الحمل، وحتى المغذيات والمكملات، وكانت الرعاية الطبية للسيدة الحامل شبه معدومة"، مشيرًا إلى عدد كبير جدًا من السيدات اللاتي كن يصبن بتسمم الحمل، أو زلال أو سكر الحمل دون أن يعلمن.

ويضيف: "شهدنا الكثير من حالات التشنج والنزيف نتيجة فقدان الأدوية اللازمة لمنع كل ذلك. أعداد حالات الإجهاض كانت كبيرة للغاية، وصلت أحيانًا إلى سبعين حالة شهريًا، في حين لم تكن تتجاوز قبل الحرب، ست حالات في نفس المدة الزمنية".

بدورها، تتحدث الأخصائية الاجتماعية في جمعية تنظيم وحماية الأسرة الفلسطينية، نورا أبو عيطة، عن تبعات الإجهاض على الحياة النفسية والاجتماعية للسيدة الحامل، فتقول: "تعاني بعض النساء بعد فقدان الجنين من الاكتئاب والقلق والحزن الشديد واليأس، والتوتر المستمر الذي قد يتطور إلى توتر مزمن يصعب علاجه".

وتشدد أبو عيطة، على أهمية الدعم العائلي للسيدة الحامل بعد إجهاضها جنينها، "ويا للأسف، في الحرب لا يمكن أن تجد داعمًا. كل واحد لديه همه ويحتاج إلى من يدعمه، لكن يبقى دعم الزوج -صاحب العلاقة- هو الأهم، وهذا يساعدها على تخطي المحنة، واليقين بأن الأمل لا يموت أبدًا".

كاريكاتـــــير