شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:14 بتوقيت القدس

"زهراء" غزة.. أيقونة "العمارة الحديثة" سُوّيت بالأرض!

18 فبراير 2025 - 16:38

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في خيمةٍ نُصبت في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تجلس رنا السعدي (39 عامًا)، تحتضن طفلتها ذات العامين، بينما أبناؤها الثلاثة الأكبر سنًا يلعبون برمال الأرض.

كانت عائلة السعدي تقيم في مدينة الزهراء قبل أن يتحول كل شيء إلى دمار، واليوم تجد نفسها بلا منزل، بلا أمان، بلا مستقبل واضح.

تقول السعدي لـ"نوى": "لم نكن نظنُّ أن مدينتنا ستُزال عن الخريطة بالكامل. كان لدينا منزل جميل في أحد الأبراج السكنية، تعبنا لسنوات في تأثيثه وتجهيزه. اليوم، لا أملك حتى بابا أغلقه على أطفالي ليشعروا بالأمان".

كانت مدينة الزهراء وسط قطاع غزة، من أحدث المدن والمناطق السكانية الحضرية، حيث تميزت بمبانيها الشاهقة، وشوارعها الواسعة، ومنشآتها الحديثة. عدّها السكان بيئةً عمرانية فريدة، وقصدها للسكن أصحاب الاستثمارات، والعائلات الباحثة عن سكن مريح وآمن.

المدينة التي تأسست عام ١٩٩٨م، بقرار من الرئيس الراحل ياسر عرفات، تحولت بفعل الحرب الإسرائيلية إلى أثر بعد عين، وصارت أبراجها وشوارعها المعبدة مجرد ركام، إذ تمركز جيش الاحتلال الإسرائيلي فيها لفترة طويلة، فدمّر المدينة بالكامل وجعلها جزءًا من ما يُعرف بـ"محور نتساريم"، الذي يقسم قطاع غزة، مما جعل عودة سكانها وإعادة إعمارها حلمًا مؤجلًا وسط مخاوف من فرض الاحتلال سيطرته مجددا عليها.

لا منزل.. لا مستقبل

زوج رنا، ويدعى محمود سعدي، يجلس صامتًا، يراقب السماء الرمادية، وكأن كلماته لم تعد تكفي للتعبير عن مأساته. بعد لحظات قال: "حين طلبوا منا إخلاء المدينة، ظننّا أنها مجرد غارات هنا أو هناك، لكنهم محوا كل شيء. لم يتركوا حتى حجارة الأبراج قائمة، ثم قاموا بضم المدينة إلى محور نتساريم.. لقد شعرنا أننا لن نعود أبدًا؟".

وتبلغ مساحة مدينة الزهراء، الواقعة جنوب مدينة غزة، حوالي 4.7 كيلومتر مربع (4700 دونم)، وقد تأسست بهدف إيقاف زحف مستوطنة "نيتساريم" آنذاك، وتوفير مساحات سكنية جديدة للمواطنين والعائدين بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993. أما بالنسبة لعدد سكانها، فقد بلغ حوالي 6127 نسمة في عام 2023.

تأسست الزهراء بهدف إيقاف زحف مستوطنة "نيتساريم" آنذاك، وتوفير مساحات سكنية جديدة للمواطنين والعائدين بعد "أوسلو" 1993م.

محمود، الذي قضى سنوات يعمل في قطاع الإنشاءات، يعجز عن استيعاب واقع أن منزله الذي بناه بعرق جبينه قد أُزيل بالكامل. يقول بغضب: "إذا عاد الاحتلال للسيطرة على محور نتساريم، فلن يكون هناك إعمار، لن يكون هناك عودة. سنبقى مشردين إلى الأبد!".

أطفاله الصغار لا يدركون تمامًا ما يحدث، لكنهم يشعرون بأن حياتهم قد تغيرت، وأن اللعب في المساحات الواسعة أمام برجهم السكني بات من الماضي. الصغيرة سارة، البالغة من العمر ست سنوات، تسأل والدها كل ليلة: "بابا، متى نرجع بيتنا؟" لكنه لا يملك جوابًا، ولا يعرف إن كان هناك "بيت" ليعودوا إليه يومًا ما.

كابوس التهجير

لم يكن محمد رشيد (49 عامًا)، ويعمل موظفًا في السلطة الفلسطينية، يتخيل أن القرار الذي ظنه مصيريًا في تأمين مستقبل عائلته، سيتحوّل إلى أكبر خيبة في حياته.

باع كل ما يملك في مدينة غزة، جمع تحويشة عمره، واشترى قطعة أرض في مدينة الزهراء، حيث كان يحلم ببناء منزل يليق بأسرته، بعيدًا عن زحام المدينة وضيق الأزقة.

لم يدم استقراره طويلًا، فالحرب جاءت كالإعصار، وجعلت من منزله مجرد ذكرى، ومن مدينته حطامًا لا حياة فيه.

يعيش رشيد الآن في خيمة بمدينة غزة، بلا مأوى حقيقي، بلا فكرة واضحة عن المستقبل. يجلس على الأرض، يمسكُ رأسه بين يديه، ويقول لـ"نوى": "لم أكن أبحث عن الرفاهية، كنت فقط أريد سقفًا فوق رؤوس أطفالي، لكن يبدو أن الحرب في غزة لا تترك لنا حتى أحلامنا الصغيرة".

بصوتٍ يحملُ مزيجًا من الغضب واليأس، يتابع رشيد حديثه: "هل علينا أن نبدأ حياتنا من الصفر في كل حرب؟ في كل مرة تقرر "إسرائيل" إعادة احتلال غزة، تكون الزهراء أولى الضحايا".

"حتى لو أعدنا بناء المدينة.. هل ستبقى؟ أم أن الزهراء ستكون دائمًا على قائمة الأهداف، كلما قررت "إسرائيل" إحكام قبضتها على غزة؟".

الزهراء، التي ظنَّ رشيد أنها ستكون موطنه الآمن، تحولت خلال الحرب إلى منطقة عسكرية مفتوحة، جزء من ما يسمى "محور نتساريم"، الذي قد يتحول إلى خط فاصل يعيد رسم الخرائط السياسية، لكن هذه المرة على حساب السكان الذين كانوا يحلمون بحياة مستقرة.

ينظر رشيد إلى أطفاله الذين يلهون أمام خيمتهم الصغيرة، ويهمس وكأنه يحدث نفسه: "هل سيكون لهم مستقبل هنا؟ أم أننا سنظل نعيش في هذا التيه، في انتظار حرب أخرى تأتينا لتجعلنا نبدأ من جديد في مكان آخر؟".

لم يعد محمد رشيد يحلم بالعودة إلى منزله، فهو يدرك أنه لم يبقَ منه شيء، لكنه يتساءل: "حتى لو أعدنا بناء المدينة.. هل ستبقى؟ أم أن الزهراء ستكون دائمًا على قائمة الأهداف، كلما قررت "إسرائيل" إحكام قبضتها على غزة؟".

أثر بعد عين

رئيس اتحاد المقاولين السابق، أسامة كحيل، الذي يعيش في مدينة الزهراء، يحكي لـ"نوى" عن مأساة الدمار الذي حل بالمدينة خلال الحرب الأخيرة، مؤكدًا أن المدينة لم تعد سوى أثرًا بعد عين، بعدما كانت من أبرز المناطق السكنية في قطاع غزة.

ويقول: "مدينة الزهراء، التي كانت تتميز بفللها المشيّدة على أحدث الطرُز المعمارية المستوحاة من التصاميم التركية والإيطالية، مُسِحت عن الخريطة بالكامل، وتحوّلت إلى أنقاض ورماد"، مضيفًا: "كان شارع الفلل يمنح المارّ فيه إحساسًا وكأنه يسير في شارع أوروبي، لكنه اليوم لم يعد سوى خراب".

لم يقتصر الدمار على الأبراج والفلل السكنية في الزهراء، بل طال المدارس، والجامعات، والمستشفيات، والمقار الحكومية، حيث لم يترك الاحتلال أي مَعلم من معالم الحياة دون أن يستهدفه.

ويوضح كحيل، أن الاحتلال دمّر بيته في المدينة، ويقول عن ذلك: "كانت الفيلا الخاصة بي جنة، صممتها بطراز معماري يجمع بين الطابعين الشرقي والأوروبي، وزودتها بأنظمة طاقة شمسية، ومحطة لتحلية المياه، وأثاث فاخر، واليوم لم يتبقَ منها شيء سوى الأنقاض".

لم يقتصر الدمار على الأبراج والفلل السكنية، بل طال المدارس، والجامعات، والمستشفيات، والمقار الحكومية، حيث لم يترك الاحتلال أي مَعلم من معالم الحياة دون أن يستهدفه، ما جعل إعادة الإعمار حلمًا بعيد المنال في ظل الظروف الحالية.

كاريكاتـــــير