شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م08:14 بتوقيت القدس

"عيدٌ" على طريق "الرشيد".. ومُشاةٌ بـ"أجنحة"!

28 يناير 2025 - 15:19

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"أرض المجد وأرض العزة.. بلدي الحلوة الغالية غزة" غنّيا وضربا الدفوف! نظرا ناحية كاميرا كانت تلتقط لهما الصور وابتسما، وأكملا المسير وكأنهما يطيران على الغيم، يسابقان ضوء النهار كي يصلا إلى حيث تركا قلبيهما قبل خمسة عشر شهرًا ونيف.. في مدينة غزة.

لم يكونا على شاطئ البحر في جلسة سمر، ولا تحت شجرةٍ على تلة المنطار الجميلة. كانا يمرّان بين الدمار وبقايا الجثث، نحو كتلةٍ من الشحوب المكسوة باللون الرمادي، الذي صبغت به الصواريخ الأبنية والشوارع والأرواح حتى.

يصعب وصف المشهد، الآلاف من النازحين يسيرون في سيل بشري يتدفق من جنوبي قطاع غزة إلى شماله، بينهم طفلان لا يتجاوزا من العمر 14 عامًا، يحملان دفّين، ويغنيان وسط حشود العائدين، وعلى ظهرهما الآخذ بالتقوّس حقائب النزوح المتهالكة.

الصورة متناقضة حقًا، حتى في وجوه المكلومين الذين يسيرون مسافة تقدر بحوالي ثماني كيلومترات من أجل الوصول إلى أطراف مدينة غزة، حيث يعرفون أن لا منزل تبقى لهم، جميعهم فقدوا أحباء، لكن لبعضهم أهداف أخرى من أجل العودة، كأن ينتشل أب جثمان ابنه وأحفاده من تحت الركام، وهذا ما قاله عمر شبات حقيقة.

يقول الرجل الستيني: "ابني فضل البقاء في مدينة غزة على النزوح إلى الجنوب، ظن أنه سيكون آمنًا في منزله، وقد ينجو بنفسه ما إن حدث شيء، بخلاف أبويه المسنين. لكن القدر كان مخالفًا لكل توقعاته. استشهد، وها أنا ذا في طريقي للبحث عن جثمانه".

"لا أحد يحب غزة مثلنا، ولا أحد يستطيع العيش بها غيرنا. الحمد لله نحن عائدون إلى غزة، ولن أتركها أبدًا في حياتي".

يحمل والده عكّازه ليستند عليه في طريقٍ وعرة اختلطت رمالها بأشلاء أبناء مدينة النور والنار، يتصبب وجهه عرقًا فيما تغزو "الأربعينية" جو القطاع، لكنها حرارة الدموع التي تغلي على وجنتيه؛ لإدراكه أن أحمد وزوجته وأطفاله لن ينتظروه كما اتفقوا يوم النزوح، يوم فصلتهم "إسرائيل" بين شمال القطاع وجنوبه، يوم حرمته انتشال جثامينهم وإكرامها بالدفن.

على الطريق ذاتها، تركض تهاني حسين وهي تمسك بيديها أبناءها الثلاثة، وعلى ظهرها حقيبة النزوح التي حملت فيها بعض الملابس، فلا منزل تعود له، لا ملابس، لا أحذية ولا زوج ينتظرها!

تتحدث عن غزة: "لا أحد يحبها مثلنا، ولا أحد يستطيع العيش بها غيرنا. الحمد لله نحن عائدون إلى غزة، ولن أتركها أبدًا في حياتي. كانت غلطة ودفعت ثمنها من دمي وروحي وراحتي التي لا أجدها في أي بقعة من هذا الكوكب سواها".

ولعلّ انتصار تهاني يكمن بأن مخططات التهجير التي أحيكت لشمالي قطاع غزة باءت بالفشل -هكذا ترى- لا سيما وهي تنظر إلى الشوارع المدمرة، التي تعلقت فيها أكثر بعد تغييبها القسري عنها.

تعقب: "فقدتُ منزلي، وفقدت زوجي، لكنني تعلقت بغزة أكثر، صرت أحبها أكثر وأكثر، وفي هذا اليوم فقط أدركت قيمتها عندي، قيمتها أعلى بكثير مما تخيلت".

الحال ذاته شرحه نازح لم يسعفه الوقت للتعريف بنفسه، بل اكتفى بالقول "عائد إلى غزة"، يصرخ أمام الشاشات بأنه كان يبكي قبل شهرين، أمام ما وصفه بـ"خيام العار"، بسبب قلة الكوبونات والمعونات اللازمة، لكنه يبكي اليوم فرحًا بعودته إلى مخيم الشاطئ.

يختم الرجل: "سوف أنصب خيمتي هناك وأجلس أتنفس هواها. نزحت إلى خانيونس ودير البلح ورفح والمغازي في محطات ثقيلة وقاسية. بدنا نبنيها ونعمرها، فلولا الصامدين أحبابنا في شمال القطاع لم نكن لنعود".

كاريكاتـــــير