غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"كانت القذائف تضرب بنيرانها الأرض فتهتز، أسمعُها تُغني لفلسطين، كانت الصواريخ تحرق الأشجار لكنني أسمعُها تُغني لفلسطين، كانت الجرافات تسير لتهدم المنازل غير المدمرة هدمًا كاملًا، وأنا أسمع الصدى صوتًا يُغني لفلسطين".
من دون مبالغة، تحدّث المُسن عبد القادر أبو مهادي بهذه الكلمات ودموع عينيه تتساقط. رّبما تسيل للمرّة الأولى على الملأ، ربّما يحكي عن خيالاته بينما كانت حرب الإبادة في أشدّها، هناك في منطقة الشيخ زايد شمال جباليا، شمالي قطاع غزة، حيث بقي الصامدون تحت أسقف منازلهم.
"رأيتُ الموت بأمّ عيني، سمعت صوتًا للأرض وأنا الذي حسبت قيمتها وفضّلت الموت فيها على النزوح. لم يكن سهلًا، بل عشتُ المستحيل، ولا أعرف كيف تحقق بأنني ما زلت حيًا".
ولصمود أبو مهادي قصّة، تحديدًا في منطقةٍ حوصرت وهُجّر سكانها بظروفٍ لن يستوعبها عقل إنسان على هذا الكوكب -هكذا يقول.
ويخبرنا: "رأيتُ الموت بأمّ عيني، سمعت صوتًا للأرض وأنا الذي حسبت قيمتها وفضّلت الموت فيها على النزوح. لم يكن سهلًا، بل عشتُ المستحيل، ولا أعرف كيف تحقق بأنني ما زلت حيًا".
أبو مهادي معلم متقاعد، في السبعينيات من عمره. أبٌ وجدٌ لعددٍ من الأحفاد والحفيدات، أخذ يسير في المنطقة التي صمد فيها ولم يخرج منها حتى بعد أن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وتوقّفت الإبادة، خوفًا من انهيارها، فالأولى له -كما يظن- أن يظل فيها شامخًا شاهدًا على ما جرى، ومرشدًا للنازحين العائدين الذين لم يعد منهم أحد يعرف مكان منزله أو حدوده؛ بسبب شدة التدمير.
"كنت شاهدًا على دخول الدبابات، على اقتحام الجنود للمنازل، على حرقها وتدميرها، على قتل الناس وعلى أصواتهم تحت الركام، على الربوتات المفخخة وتفجيرها بين المنازل".
يُسمي نفسه "الشاهد"، ويشرح: "كنت شاهدًا على دخول الدبابات، على اقتحام الجنود للمنازل، على حرقها وتدميرها، على قتل الناس وعلى أصواتهم تحت الركام، كنت شاهدًا على جلب الربوتات المفخخة ووضعها بين المنازل، كنت شاهدًا على تفجيرها، كنت شاهدًا على أحداثٍ أعرف تمامًا أن أي زلزال بالعالم لم يكن بحجم خرابها"!
يتابع الرجل: "صمدتُ في حلقةٍ مفرغة إلا من النار، عشتُ حرفيًا في حقلٍ للألغام، وكنت أسير بين الموتى. رضيتُ بقضائي وقدري إن كتب لي ذلك، وكان شرفًا لي أن أموت في منزلي، فالموت كان يمرّ فوق رؤوس الناس أينما تواجدوا، من شمالي القطاع إلى جنوبه، وما دون ذلك عند حديثهم عن المناطق الآمنة فهذه أكذوبة مثبتة على الشاشات، حين قتلوا الناس هناك في كل آن، وعبر البث المباشر، بصورةٍ ملوّنة وواضحة".
ما الدافع لصمودك هناك؟ سؤال وجهناه لعبد القادر، الذي قال: "بلادي وإن جارت علي عزيزة، حتى وإن ذقتُ فيها الأمرّين. حارتي التي ترعرعتُ فيها وكانت مأمني وأماني على مدار سنوات عمري، منزلي الذي كان ستري في حياتي ولو جاء أمر مماتي أيضًا".
وأما عن الجوع والعطش، فيخبرنا أنه لم يكن يحصل في بعض الأيام فتات رغيف، "كانت رغم ذلك تنعش جسدي الهزيل تحت الضربات وفي ظل الجحيم المحيط. لم يكن أمر الأكل والمياه كبيرًا مقارنة بقصّة البقاء والصمود".
لأكثر من ثلاثة أشهر على الحال ذاته، وعن الطريق الوحيدة التي سلكها طوال تلك المدة، كانت نحو المستشفى الأندونيسي في جباليا، لأجل الماء، حيث أصيب بينما كان يتوضأ لأداء الصلاة.
يؤكد عبد القادر أنه لم يندم يومًا على البقاء في شمالي قطاع غزة، ولم يتوقع أن يعيش إلى يوم إعلان الهدنة. يختم بقوله: "أعذر كل النازحين، تحديدًا العائلات التي لديها أطفال وغيرهم من الذين تقطعت أجساد أطفالهم أمامهم، وهم عاجزين تحت الموت، ما حدث في غزة كان إجرامًا، ودمار لم يمر على إنسان في حياته على هذا الكوكب".
























