غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
مع كل نداء استغاثة يصل مركز الدفاع المدني في حي الدرج وسط مدينة غزة، كان عدي أبو كويك (34 عامًا)، يودع زوجته وأطفاله الثلاثة وكأنه يراهم للمرة الأخيرة. القصف العنيف لم يكن يترك مجالًا للشعور بالأمان، لكنه لم يمنعه من تلبية مناشدات إنقاذ الأرواح طوال 15 شهرًا من الإبادة.
يقول لـ "نوى"، بينما يحاول استعادة تلك اللحظات المُرّة: "كنت أترك المنزل كل يوم وأنا على يقين بأنني قد لا أعود. زوجتي تودعي بعينين ممتلئتان بالدمع، وترافقني للباب حتى آخر خطوة. الخوف كان موجودًا، لكنه لم يكن أكبر من واجبي تجاه أهلي وشعبي".
"أكبر خسارة"
في ديسمبر 2024م، وبينما كان أبو كويك وزميله وصديقه المقرب نبيل بهلول يستعدان للعمل على إنقاذ عائلة من تحت أنقاض منزل مدمر في حي الرمال بمدينة غزة، استهدفت غارة جوية مقرهم في حي الدرج، ما أدى إلى استشهاد بهلول.
"كنا نعمل معًا منذ بداية الحرب، وكنت أعدّه أخي الثاني. حين حدث الاستهداف للمركز، نجوت بأعجوبة، لكن نجيب لم يخرج. استشهد وهو يستعد لإنقاذ الآخرين. لم أصدق أنني سأكمل الطريق من دونه"، يخبرنا بصوتٍ مختنق.
وبرغم خسارته لصديقه، لم يتوقف عن العمل، يعلق: "شعرت أن استمراري هو تكريم لذكراه. كان يقول لي دائماً: "إما أن ننجح في إنقاذ الجميع أو نموت ونحن نحاول".
اليوم، وبعد إعلان وقف إطلاق النار، يعيش أبو كويك مشاعر مختلطة "شعرت بفرحة غامرة لأن عائلتي أصبحت بأمان. لكن عندما أنظر حولي إلى حجم الدمار، أفهم أن معركتنا لم تنتهِ. تحت الأنقاض لا تزال هناك جثامين تحتاج إلى انتشال، وبيوت مدمرة تحتاج إلى إزالة حطامها، وآلام لا نهاية لها".
ويرى أبو كويك أن الحرب تركت رجال الدفاع المدني أمام مسؤولية مضاعفة، "نحن الآن في مهمة جديدة. وقف القصف لا يعني أن نرتاح، بل يجب أن نعمل على مساعدة الناس للبدء من جديد. لدينا أحلام وأوجاع، لكن قوتنا في وحدتنا".
حين سُئل أبو كويك عما يريد أن يتركه لأطفاله بعد هذه الحرب، قال: "أريدهم أن يعرفوا أن والدهم فعل كل ما يستطيع لحماية أرواح الآخرين. لا شيء أثمن من أن تكون إنسانًا يخدم شعبه في أصعب الظروف".
وسطر رجال الدفاع المدني في قطاع غزة أروع ملاحم البطولة، حين لبوا نداء الواجب طوال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، إذ عملوا بأقل الإمكانيات، وفي ظل نقص حاد في الوقود، وسط غارات إسرائيلية لم تعرف الرحمة ولم تفرق بين مدني وعسكري.
"الواجب أهم من الإصابة"
في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، كان الشاب أحمد أبو سليم (26 عامًا) يسابق الزمن لإنقاذ الأرواح تحت الأنقاض. أبو سليم، الذي يعمل متطوعًا في جهاز الدفاع المدني منذ بدء الحرب، اختبر خلال العدوان الأخير أصعب لحظات حياته، حيث تعرض لإصابة بليغة في يده اليمنى أثناء محاولة إنقاذ عائلةٍ تحت منزل منهار، لكنه رفض الاستسلام.
"عندما رأيت جثة طفل صغير بين الأنقاض، شعرت بضعفي لأول مرة. ليس الألم في يدي ما أوجعني، بل فكرة أنني لم أتمكن من إنقاذه في الوقت المناسب. هذا الإحساس دفعني للعودة سريعًا إلى العمل رغم الإصابة.. لا وقت للراحة، فهناك أرواح تنتظرنا"، يقول أبو سليم لـ"نوى" وملامحه تعكس إصرارًا لا يتزعزع.

عاد أبو سليم إلى العمل في أقل من 48 ساعة من إصابته، مرتديًا جبيرة مؤقتة على يده. قلة الكوادر وكثرة النداءات كانت كفيلة بتجاهله لألمه. يقول: "لا يمكنني الجلوس في البيت بينما أصدقائي يواجهون الموت تحت الأنقاض؛ لإنقاذ أبناء شعبنا. أشعر أنني أؤدي واجبًا وطنيًا ودينيًا وإنسانيًا"، يضيف.
كان أبو سليم في مهمة إنقاذٍ أخيرة عندما وصلته الأخبار عن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، "حين سمعتُ الخبر، أخذتُ نفسًا عميقًا لأول مرة منذ شهور. كنت أشعر أنني كنت أركض في سباقٍ لا نهاية له".
رغم مشاعر الفرح التي اجتاحت قلبه، كان أبو سليم مدركًا لحجم التحديات المقبلة، "وقف إطلاق النار ليس نهاية المعركة؛ هناك مئات العالقين، وآلاف المنازل بحاجة إلى إزالة أنقاضها، والكثير من الجثامين التي لا تزال تنتظر من ينتشلها. لكن على الأقل، اليوم أشعر ببصيص أمل أن الألم قد يتراجع قليلًا".
خسائر كارثية
خلال 15 شهرًا من الحرب الدموية، استشهد 99 من كوادر جهاز الدفاع المدني وأصيب 319 آخرين، بينهم العشرات يعانون من إعاقات مستدامة. كما اعتقل جيش الاحتلال 27 من منتسبي الجهاز، بينهم مدير الدفاع المدني في شمال غزة ومدراء مراكزها الثلاثة، وسط غموض حول ظروفهم، بحسب بيان أصدرته المديرية العامة للدفاع المدني، الاثنين الماضي، يكشف حجم الخسائر البشرية والمادية التي تعرض لها الجهاز خلال العدوان.
وأضاف البيان أن 48% من كوادر الدفاع المدني وقعوا بين شهيد وجريح وأسير، فيما تم استهداف 17 مركزًا من أصل 21 تابعة للجهاز، منها 14 مركزًا دُمرت كليًا. كما تعرضت 85% من مركبات الدفاع المدني للدمار الكلي أو الجزئي، حيث تم تدمير 61 مركبة من أصل 72.
وبرغم الاستهداف المتواصل، تعاملت طواقم الدفاع المدني مع أكثر من 500 ألف نداء استغاثة، لكن نقص الوقود والخطر الميداني حال دون الوصول إلى 50 ألف نداء منها- بحسب البيان.
وأشار إلى أن طواقم الدفاع المدني تمكنت خلال الحرب من انتشال جثامين أكثر من 38,300 شهيد، ونقل حوالي 97 ألف مصاب إلى المستشفيات، والسيطرة على 22,403 حرائق في مناطق مختلفة، وإخلاء 42 ألف شخص من مناطق خطرة.
وأشار البيان إلى أن جيش الاحتلال منع الطواقم من العمل في عدة مناطق رئيسة، مما أعاق انتشال مئات الجثامين.
وأفاد بأن 2,840 جثمانًا قد تبخرت بسبب استخدام الأسلحة ذات درجات الحرارة العالية التي وصلت إلى 9,000 درجة مئوية.
جهاز الدفاع المدني بحاجة لإعادة تأهيل شاملة تشمل الكوادر البشرية والمعدات اللازمة؛ لمواصلة العمل في ظل الأوضاع الكارثية.
وأكد البيان على حاجة الجهاز لإعادة تأهيل شاملة تشمل الكوادر البشرية والمعدات اللازمة؛ لمواصلة العمل في ظل الأوضاع الكارثية.
وطالب بإدخال طواقم دفاع مدني دولية لدعم الجهود المحلية، بالإضافة إلى توفير المعدات الثقيلة اللازمة لانتشال الجثامين من تحت الأنقاض.
























