غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"كنتُ أحلم بتزويج ابنتي البكر في ظروف أفضل، لشخص يناسبنا من حيث المستوى الثقافي والاجتماعي، ويشبهها من حيث الفهم والذوق، لكنني وجدتُ نفسي مضطرة للموافقة على أول عرض، بعدما ضاقت بي سبل الرزق، ولم أعد قادرة على الإنفاق عليها وعلى أخواتها الصغيرات".
بهذا المختصر "المميت" بدأت "ي.ع" (39 عامًا) حديثها لـ"نوى"، وقد غادرت ابنتها العائلة قبل شهرين فقط إلى خيمة عريسها القريبة من خيمتهم، في قرية الزوايدة، وسط قطاع غزة.
فقدت السيدة زوجها تحت أنقاض بيتهم المدمر غربي مدينة غزة مع بداية الحرب، فاضطرت للنزوح إلى الجنوب تحت وطأة العوز، والجوع، والحاجة، ومعيشة الخيام.
فقدت السيدة زوجها تحت أنقاض بيتهم المدمر غربي مدينة غزة مع بداية الحرب، فاضطرت للنزوح إلى الجنوب تحت وطأة العوز، والجوع، والحاجة، ومعيشة الخيام. لقد وجدت نفسها فجأة دونما معين، تتدبر وحدها نفقات بناتها الثلاث (ر.ع) (17 عامًا)، وأختيها (13، 11 عامًا).
تخبرنا: "اضطررت لإنشاء بسطة أمام خيمتي لبيع حاجيات الأطفال المتاحة، وكانت بناتي تساعدنني. بدأتُ أشعر بإقبال بعض الشبان على البسطة لرؤيتها، وهذا خلق لدي مخاوف كثيرة، لا سيما ونحن وحدنا في خيمة، لا قريب لنا ولا سند".
باحت الأم بمخاوفها لشقيقتها النازحة في مواصي خانيونس، فما كان منها إلا أن عرضت عليها تزويجها لابنها البكر (20 عامًا). وحسب الأم لم يأخذ إقناع الفتاة كثيرًا من الوقت، كونها تشعر بمعاناة توفير المال، وتعب أمها في تحصيله من أجل إطعامها وشقيقاتها.
تضيف: "اجتمعتُ وشقيقتي، واتّفقنا على تسمية الصداق، الذي قدّرناه بثلاثة آلاف دينار تُدفع لاحقًا؛ لعدم توافر المال. ولضيق الحال اشترى لها زوجها خاتمًا فقط، وعقد القران داخل المخيم، وتم إشهاره في صفحات التواصل الاجتماعي".
وعلى ضوء "الليد" الخافت، داخل الخيمة، وبأجواء فرح شاحبة، زفت الفتاة من خيمة أمها إلى خيمة زوجها، لتكتشف بعد أيامٍ قليلة أنها انتقلت لحياةٍ أشد قسوة، وأكثر عوزًا وفقرًا.
وبدأت فتيات في قطاع غزة، باتخاذ القرار بالموافقة على الزواج في ظل الإبادة، التي بدأت في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، تحت وطأت الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، وفقدان المعيل، والخوف من المجهول القادم، وغيرها من الأسباب الكثير، في حين بات بعض الأهالي يباركون هذه الخطوة لنفس الأسباب، بالإضافة إلى تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الأسرة، التي وجدت نفسها بين ليلة وضحاها فريسةً للموت والجوع والنزوح المفاجئ والمتكرر.
وتحكي (ن.ح) ابنة الأربعة وعشرين ربيعًا، لـ"نوى"، كيف قلبت الحرب أولوياتها وأحلامها، ودفعتها دفعًا باتجاه قرار الزواج، "بدن حفل زواج ضخم، وزفة، وباقة العروس. بدون حناء وبيت بأثاث راقٍ" تقول.
تقدم لخطبتي أحد زملائي في هذا الفريق، وكان نازحًا بالقرب من خيمتي، ويعرف عائلتي (..) رفضت الأمر في بادئ الأمر؛ لعدم وجود الانسجام بيننا، بالإضافة إلى اختلاف المستوى التعليمي والثقافي".
وتضيف: "اضطررنا للنزوح قسرًا من مدينة غزة إلى رفح، ومن ثم إلى شاطئ دير البلح وسط القطاع، حيث نصبنا خيمتنا وسط أعداد مهولة من الخيام. عشنا ظروفًا صعبة، بعد أن فقد والدي مصدر رزقه الوحيد بالمدينة، وهذا اضطرني للمساعدة على الفور".
انضمت الشابة في بادئ الأمر إلى الفرق التطوعية والمؤسسات الخيرية، مقابل بعض الأشياء العينية الزهيدة كالمواصلات أو السلال الغذائية، ومن ثم انضمت إلى فريقٍ شبابي لمساعدة النازحين، بمقابل مادي ضئيل.
"هنا، تقدم لخطبتي أحد زملائي في هذا الفريق، وكان نازحًا بالقرب من خيمتي، ويعرف عائلتي" تكمل، مردفةً: "رفضت الأمر لعدم وجود الانسجام بيننا، بالإضافة إلى اختلاف المستوى التعليمي والثقافي، وافتقاره لأشياء كثيرة كنت أتمناها في فارس أحلامي المستقبلي".
بعد عدة أيام، فوجئت بصدمة. والدها جاء ليخبرها بموافقته على الشاب الذي تمكن من إقناعه بنفسه، وبمهر قيمته (700 دينار)، تُدفع عبر التطبيق البنكي لعدم توفر السيولة!
تزيد: "استمريت في الرفض، فبدأ أبي يستخدم سلطته بمنعي من الخروج للمشاركة في الفرق، والحديث عن الوضع وضيق ذات يده، وأنه لا محالة سيرحل عن الدنيا شهيدًا أو مريضًا، وهنا لم أجد أمامي حلًا إلا القبول".
"استمريت في الرفض، فبدأ أبي يستخدم سلطته بمنعي من الخروج للمشاركة في الفرق، والحديث عن الوضع وضيق ذات يده، وأنه لا محالة سيرحل عن الدنيا شهيدًا أو مريضًا".
تعيش الشابة اليوم في خيمة قريبة من خيمة أهلها، تحت ظروف خانقة من الفقر والعوز. في خيمة غير مؤهلة للحياة، أقل موقفٍ فيها قد يتسبب بمشكلة يجتمع على إثرها أهل المخيم كله.
تعقب: "إن ضحكتُ يصرخ علي زوجي لئلا يسمعني أحد، وإن بكيت كذلك. إن تكلمت بالهاتف يجب أن أتكلم بصوتٍ منخفض، وغير ذلك الكثير من المواقف المذلة"، مبينةً أن الظروف النفسية الصعبة تسببت بإجهاضها قبل فترة، "وهذا ما يجعلني أنتظر خبر انتهاء الحرب اليوم قبل الغد، وبدء مرحلة إعادة الإعمار لأعيش حياةً طبيعية على الأقل".
وتؤكد الأخصائية النفسية د.مي عطية، أن العديد من العائلات دفعتهم الظروف لتزويج بناتهن، وفي المقابل دفعت الكثير منها لتزويج أبنائها "كفرصة يمكن أن لا تتكرر لسنوات قادمة: زواج بلا تكاليف".
"هناك زيادة في حالات الطلاق داخل مخيمات النزوح، سواءً لزيجات حديثة أو قديمة، ذلك بسبب الظروف الصعبة، والضغوط النفسية، وعودة ظاهرة العائلات الممتدة، والاختيار الخاطئ منذ البداية".
وتضيف: "أصبح غالبية الآباء عاجزين عن توفير أبسط المتطلبات لأسرهم، "وبعضهم يوافقون على تزويج بناتهم لأول متقدم، وإن كان غير مؤهل".
وأشارت إلى أن المؤشر السلبي للزواج في الإبادة، يكمن في اضطرار الفتيات لقبول الشاب بأي مواصفات، حتى لو كان على عدم توافق اجتماعي وثقافي، ملفتةً إلى زيادة حالات الطلاق في مخيمات النزوح، سواءً لزيجات حديثة أو قديمة على حد سواء، "وذلك بسبب الظروف الصعبة، والضغوط النفسية على الطرفين، وعودة ظاهرة العائلات الممتدة، وتدخل أطراف خارجية في حياة الزوجين، والاختيار الخاطئ في ظل حربٍ قتلت كل جميل في تفاصيل الحياة".
























