غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كان عامًا مليئًا بـ:"#غزة_تحت_القصف"، بـ"#أنقذوا_غزة"، بـ"#أوقفوا_الإبادة" وبـ"#غزة_تباد".. كان عامًا مليئًا بصراخ الفلسطينيين وقهرهم تحت نيران حرب الإبادة الإسرائيلية، وتحت نار الشمس التي ألهبت الخيام، ومطر الشتاء الذي قتل أكثر من خمسة أطفال في شهر واحد.
سيل من الآلام، يتدفق منذ بدء الحرب، ببثٍ حي ومباشر على شاشات هواتف الناس حول العالم. يراقبون غزة، ويتفاعلون مع منشورات أبنائها وبناتها. يدعمونهم بالتعليقات وبمشاركة قصصهم الآنية.. منشورات وصلت ملايين البشر، إلا أن كثيرين منهم لا يعرفون شيئًا عن المعارك الأخرى التي يخوضها أصحابها في هذه المنصات، لضمان النشر وإيصال صوت الضحية.
ويشهد المحتوى الفلسطيني بالعموم محاربة وتقييدًا منذ سنوات، حيث تواجه المنصات الرقمية الفلسطينية التابعة للمؤسسات والأشخاص، ضغوطًا سياسية وقانونية تهدف لمنعها، خاصةً تلك التي تتحدث عن المقاومة الفلسطينية، أو التوثيق الميداني للانتهاكات الإسرائيلية.
على سبيل المثال لا الحصر، أُغلق حساب الصحفية منى خضر على "إكس"، بعد نشرها العديد من التغريدات التي تعلقت بقصص الشهداء، الذين قضوا في الحرب على غزة؛ لاستخدامها وسم #غزة_تباد مرارًا، وفق تأكيدها.
"إغلاق الحساب لم يسبقه أي تحذير. أنا لم تستخدم أيًا من الصور المخضبة بالدماء، بل كانت معظم القصص تتحدث عن الأطفال بصورهم البهية قبل استشهادهم".
وتقول: "إغلاق الحساب لم يسبقه أي تحذير من المحتوى"، ملفتةً إلى أنها لم تستخدم أيًا من الصور المخضبة بالدماء، بل كانت معظم القصص تتحدث عن الأطفال بصورهم البهية قبل استشهادهم، وغيرها يتحدث عن المآسي التي يعانيها النازحين الفلسطينيين في مخيمات النزوح جنوبي القطاع وشماله.
وأرسلت منى أكثر من مرة لإدارة "إكس" تستفسر فيها عن سبب إغلاق الحساب، لكنها لم تتلق أي رد حتى نشر التقرير، بل أيضًا يتم منعها من فتح أي حساب جديد باسمها على المنصّة.
لم يقتصر الأمر على منصة "إكس"، فقد واجهت أيضًا العديد من القيود في "فيسبوك" التابع لشركة "ميتا"، التي لها سوابق كثيرة في تقييد المحتوى الفلسطيني.
ومن ملامح هذا التقييد، الحذف المتكرر للمحتوى المتمثل بالمنشورات أو مقاطع الفيديو بحجة انتهاك “سياسات المجتمع” المتعلقة بخطاب الكراهية أو العنف، حتى لو كانت توثق انتهاكات الاحتلال، كذلك تقليل الوصول للمحتوى في الخلاصات أو البحث، مما يحد الانتشار، ثم إغلاق الحسابات الناشطة التي تُبرز الرواية الفلسطينية بشكل كامل دون إنذار مسبق.
ومما لا شك فيه أن لدولة الاحتلال دور بارز في التقييد، إذ تعمل بشكل مباشر أو غير مباشر عبر “وحدات السايبر” للضغط على منصات مثل "فيسبوك"، و"إنستغرام"، و"تويتر" لحظر أو تقليل المحتوى الفلسطيني.
وكُشف سابقًا أنه تم توقيع اتفاقيات بين الحكومة الإسرائيلية والشركات التقنية الكبرى؛ بهدف محاربة ما تسميه “التحريض”، لكنها تستهدف في كثير من الأحيان التوثيق الفلسطيني.
عن ردود الفعل الفلسطينية ومقاومة الفلسطينيين للأمر، فإن التوجه إلى المنصات البديلة هي أولى الخيارات، التي بدأ فيها الصحافيون والصحافيات والناشطين عمومًا، ربما تكون أقل شهرة أو مشفرة مثل "تليغرام"، بالإضافة إلى حملات التوعية الدولية التي تطالب بتسليط الضوء على التمييز الرقمي، والمطالبة بالعدالة الرقمية للفلسطينيين.
ومع أن القيود تقلل من وصول الرواية الفلسطينية عالميًا، لكنها لم تمنعها كليًا، إذ يواصل المستخدمون استخدام تقنيات مبتكرة، مثل إنشاء محتوى رمزي، أو استخدام لغات وأشكال تعبير جديدة، للالتفاف على الخوارزميات، وبالفعل لا يزالوا يحافظون على تأثير رسائلهم الكبيرة، خاصة عند توثيق الأحداث على الأرض، ومجازر الاحتلال في غزة خلال حرب الإبادة نموذجًا، حيث صار توثيقهم مواد دسمة تنقل حتى عبر وسائل الإعلام التقليدي.
"في عام 2024م، واجهتُ حذف عشرات المنشورات، قيّدت معظم منصّاتي، في فيسبوك اقترب عدد المتابعين إلى نصف مليون متابع، لكن عدد المشاهدات قليل جدًا مقارنة بالعدد بسبب التقييد".
هذا ما يؤكده الصحفي حسن اصليّح، من قطاع غزة، الذي تعرضت حساباته إلى الانتهاكات عشرات المرات. يقول لـ"نوى": إن استهداف حساباتي في المنصات المختلفة قائم حتى اللحظة، وهي مشكلة أعاني منها منذ سنوات، وأحاول التحايل عليها بشتى الطرق، لكنهم يعودون لحجب ما ينشر وخاصة فيما يتعلّق بالشهداء".
ويضيف: "في عام 2024م، واجهتُ حذف عشرات المنشورات، قيّدت معظم منصّاتي، في فيسبوك اقترب عدد المتابعين إلى نصف مليون متابع، لكن عدد المشاهدات قليل جدًا مقارنة بالعدد بسبب التقييد".
لم تقتصر الانتهاكات على فيسبوك وانستغرام وواتساب، بل امتدت إلى "يوتيوب" وفق ما جرى مع حسن، الذي أشار إلى أنها مضاعفة عشرات المرات عن الأعوام السابقة رغم صعوبتها أيضًا.
من جهته، يرى الصحفي وديع عواودة، في تصريح للمركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي "حملة"، بأن هناك رقابة وعقوبات بهدف توجيهيّ واضح للصحفيّين وصنّاع المحتوى، بأن يكتبوا باتّجاه معيّن، ويستخدموا مصطلحات معيّنة في "ميتا" مؤكدًا أن الانتهاكات بحقه بدأت قبل الحرب.
ويذكر في تجربته: "واضح أنّه إذا كان هناك نقد لإسرائيل أو لأي من سياساتها كدولة محتلة، مهما كان النقد مخفّفًا، فلن يكون هناك تفاعل. هذا ما أعايشه بنفسي، فأنا أقارن التفاعل بين مختلف منشوراتي على فيسبوك بحسب موضوع محتواها. في إحدى الانتهاكات المخالفة لكل ما هو عقلاني أو منطقي، تمّ تقييد حسابي بسبب نشري لتقدير تاريخيّ كتبته عن ثورة سنة 1936م، حيث اتهمتني (ميتا) بانتهاك معاييرها؛ لمجرّد أنّني ذكرت أسماء شخصيّات تاريخيّة منذ ٩٠ سنة".
"خلال الحرب زاد الأمر سوءًا، وأصبح هناك تقييدٌ واضحٌ ومفضوح للوصول للمنشورات، نتج عنه رقابة ذاتيّة، وتوجيه لبناء تأطير مشوّه ومزوّر للمحتوى".
أما خلال الحرب، -وفقًا لوديع- فقد زاد الأمر سوءًا، وأصبح هناك تقييدٌ واضحٌ ومفضوح للوصول للمنشورات، نتج عنه رقابة ذاتيّة، وتوجيه لبناء تأطير مشوّه ومزوّر للمحتوى، لذلك صار يقلل من النشر على منصّات "ميتا"، لشعوره بأنه سيصير شريكًا في عمليّة تزوير الواقع وطمس الحقيقة.
في سياق الموضوع، أصدر مركز "صدى سوشال" للحقوق الرقمية الفلسطينية، تقريره بعنوان: "عام من الإبادة الرقمية للفلسطينيين"، الذي شمل رصد الاعتداءات الرقمية، التي تزامنت مع الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول للعام 2023م، وحتى عامٍ كامل، مركزًا على الأبعاد المتعددة للإبادة الرقمية، التي تضمنت حجب المحتوى الفلسطيني، وفرض الرقابة على وسائل التواصل، واستهداف الصحفيين الفلسطينيين.
وفقًا للتقرير، تعرض المحتوى الفلسطيني على منصات التواصل الاجتماعي إلى أكثر من 23 ألف انتهاك رقمي، حيث استحوذت منصات "ميتا" على نسبة 56% من هذه الانتهاكات، فيما سجلت منصة "تيك توك" نسبة 25%، و"إكس" (تويتر سابقًا) 15%، بينما شكلت "ساوند كلاود" نسبة 3.7%.
خلال الفترة المذكورة، تعرض أكثر من 700 رقم واتساب فلسطيني للحظر، مما أدى إلى عزل السكان، وزيادة صعوبة تواصلهم مع العالم الخارجي، وقد شكلت هذه الحالات نسبة 76% من سكان قطاع غزة، مما أسهم في تعميق الأزمة الرقمية وفرض عزلة رقمية شبه كاملة على القطاع.

فيما يتعلق بالصحافيين، ذكر التقرير أن 29% من مجمل الانتهاكات الرقمية، استهدفت الصحافيين والصحافيات والمؤسسات الإعلامية. تلقى "صدى سوشال" أكثر من 1200 شكوى من صحافيين حول محاولات اختراق لحساباتهم الرقمية، بينما أُنشئت 16 حسابًا مزيفًا بأسماء صحافيين، بهدف تشويه سمعتهم، ونشر معلومات مغلوطة عنهم، مما شكل تهديدًا مزدوجًا على سلامتهم الرقمية والجسدية.
ورصد "صدى سوشال"، خلال عام الإبادة، نحو67 مرة استخدمت فيها "إسرائيل" وقواتها العسكرية لعبة "مربعات الموت"، كأداة للتنصل من مسؤوليتها عن قتل المدنيين الفلسطينيين، حيث نشرت خرائط تقسم قطاع غزة لمربعات مرمّزة بأرقام معينة، تأمر سكان مربعات محددة من بينها بالإخلاء تحت تهديد القصف والموت.
كما وثق التقرير أكثر من 80 ألف منشور تحريضي إسرائيلي عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك دعوات للإبادة الجماعية، وتبرير العنف والقتل الجماعي بحق الفلسطينيين.
وثق التقرير أكثر من 80 ألف منشور تحريضي إسرائيلي عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك دعوات للإبادة الجماعية.
وقد رصد المركز 340 شكوى تتعلق بخطابٍ تحريضي عبر رسائل "واتساب" ورسائل قصيرة (SMS)، بالإضافة إلى نشر 250 معلومة كاذبة ومضللة خلال هذه الفترة، تراوحت بين معلومات خاطئة كليًا، أو تلاعب بالسياقات؛ لتبرير الاستهداف العنيف للمدنيين الفلسطينيين.
من جهته صرّح جلال أبو خاطر، مدير المناصرة في مركز "حملة"، بأن استمرار ممارسات "ميتا" التمييزية ضد المحتوى الفلسطيني، يُعدّ انتهاكًا واضحًا للمعايير الدولية لحرية التعبير، مطالبًا باتخاذ خطوات جادة وعاجلة لإصلاح سياساتها وضمان حق الفلسطينيين في استخدام المنصات الرقمية دون قمع أو تمييز.
وتشير الأدلة بحسب "حملة" إلى أن "ميتا" تعتمد سياساتٍ مجحفةٍ ضد المحتوى الفلسطينيّ، حيث تقوم بحذف منشورات أو تُقيّد وصول المحتوى بدعوى انتهاك السياسات، بينما تغض الطرف عن خطاب الكراهية والتحريض ضد الفلسطينيين.
ومن الجدير ذكره بحسب المركز، أنه تم توثيق أكثر من 15 مليون محتوى تحريضي باللغة العبرية ضد الفلسطينيين عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي منذ تشرين الأول 2023م، وفقًا لما رصده "مؤشر العنف"، النموذج اللغوي المدعّم بالذكاء الاصطناعي الذي طوره مركز "حملة".
























