غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بدون مقدمات، ماتت الطفلة سيلا الفصيح من البرد. عاشت من عمرها 14 يومًا فقط! وغادرت أرض الحرب التي وُلدت تحت نيرانها.
أطلقت أمها صرخاتها في لحظات المخاض على وقع انفجارات عنيفة تهدم المنازل المتبقية على رؤوس أصحابها، تحرق الخيام بالنازحين فيها، وتصل شظاياها إلى أولئك "الميتون" من شدة البرد أمام شاطئ البحر؛ لعدم وجود خيارات "نزوحٍ" أخرى.
"كنت أفكر قبل أن تولد، كيف لطفلة أن تتحمل هذا البرد القارس في خيمة! وكأن قلبي كان يشعر بموتها قبل ولادتها".
يأتي خبر وفاة الرضيعة في غمرة أخبار مفجعة من قطاع غزة، سيل متدفق من العذابات التي لا تعرف طريقًا مريحًا حتى في الموت! يقول الناس إنهم قبلوا به، لكن ليس على مراحل، ليس بصورة مستمرة ثقيلة وصعبة ممتدة منذ عام وشهرين!
"كنت أفكر قبل أن تولد، كيف لطفلة أن تتحمل هذا البرد القارس في خيمة! وكأن قلبي كان يشعر بموتها قبل ولادتها"، يقول أبوها الذي يضمها إلى صدره للمرة الأخيرة، بعد أحضان معدودة، لكن هذه المرة دون بكاء، دون هدوء يرافق ساعات نومها القليلة، لقد بات على يقينٍ بأن هذه هي نومتها الأبدية.
"نامت ولم تستيقظ، ماتت بهدوء"، هكذا يردّد، يعرض وجهها للشاشات بعجز تام. يتلعثم لسانه، يريد أن يخبر العالم كلّه بما جرى، فيقول: "أرضعتها أمها عند منتصف الليل، حاولت قدر الإمكان أن تمنحها الدفء بينما صوت ارتجافها كان مسموعًا! طلع النهار، لم تستيقظ سيلا. لم تبكِ. تبدّل لون بشرتها الأبيض إلى لون أزرق، كانت تعضّ على لسانها، يسيل الدم من فهما ومن أنفها.
يصمت الأب قليلًا، ويحدق فيمن هم حوله. يحدّق في الكاميرات التي تبث رسالته إلى العالم، ويتساءل: "أنا لمين بحكي؟"، ثم يتابع: "حملت طفلتي إلى العيادة، كشف عليها الأطباء، وقالوا إن قلبها توقّف من شدّة البرد. قلبها الصغير لم يتحمله، فنامت إلى الأبد".
لم تكن سيلا تعاني من أية أمراض، وُلدت بشكل طبيعي تحت ظروف قاهرة، لكنها ماتت. ماتت من البرد!
يصف العيش بالخيام بقوله :"لا بشر يتحمله"، والنازحون في الخيام لا يتحملونه فعلًا لكن ليس أمامهم خيارات، هي الفرصة الوحيدة لمحاولة الاحتماء من الهواء، وهي بالتأكيد محاولة، لا يمكن التعبير عنها بأي كلمات أخرى. تغرق الخيمة بالشتاء فيضعون الشوادر، تطير الشوادر فتبلل الخيام مجددًا، تطير الخيمة أحيانًا وتقتلع من جذورها، والغرق نتيجة بكل الأحوال.
لم تكن سيلا تعاني من أية أمراض، وُلدت بشكل طبيعي تحت ظروف قاهرة، لكنها ماتت. ماتت من البرد، "هكذا صاروا يدلّون على ابنتي -يقول الأب المكلوم- "سيلا التي ماتت من البرد".
























