شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 24 ابريل 2026م11:50 بتوقيت القدس

مها الشبراوي.. "جبلٌ" ينزف "دمعًا"!

23 ديسمبر 2024 - 14:41

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لا تعرف مها من أين تبدأ، حتى أنها لا تعرف إن ما زالت على قيد الحياة، أم أنها ميتة مع وقف التنفيذ! الحرب على قطاع غزة مصيرية لأي إنسان يعيش تحت أهوالها، والنجاة صدفةٌ بحتة، وأمّا الفقد، فهو الغولُ الذي زار أكثر من مليوني إنسان واختبرهم بقوّة أرغمتهم على تحمّل الأسوأ دائمًا، حالٌ يستمر منذ أكثر من عام.

كيف مرّ العام على النازحين في الخيام؟ من هنا أتت فكرة التقرير، لكن صاحبة القصة أخذتنا إلى مأساةٍ ربّما تتشابه في أحداثها مع ما حدث مع آلاف الناس، لكنها فرصة كي تتحدث! كي تنفّس عبء الصمت والكبت منذ 14 شهرًا.

"لو توقعت اجتياح القطاع بهذا الشكل، وفصلنا جغرافيًا، لكنت فضلت الموت مع زوجي مرة واحدة على أن أعيشه عشرات المرات بعيدة عنه هكذا".

مها الشبراوي (38 عامًا)، أم لولدين وثلاثة من البنات، أرملة الشهيد إياد الناطور، الذي قضى في قصف إسرائيلي استهدف منزلهم بحي الزيتون في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2023. استقبلت الخبر بينما كانت في محطة نزوح ثانية تحت جحيم النيران التي تبصقها الصواريخ الإسرائيلية على الناس، بكل أريحية.

"يومين وبترجعوا".. وسط هذه الكلمات بدأت القصة، حين أقنع إياد زوجته بفكرة النزوح كمئات آلاف الفلسطينيين الذين راحوا يبحثون عن الأمان من شمالي قطاع غزة نحو الجنوب، ظنًا منهم أن الحرب الإسرائيلية ستدمر منطقة معينة ثم سيكون باستطاعتهم العودة، "ولو توقعت اجتياح القطاع بهذا الشكل، وفصلنا جغرافيًا كنت فضلت الموت مع زوجي مرة واحدة على أن أعيشه عشرات المرات بعيدة عنه هكذا" تقول.

بعد نحو شهر على الفراق، والكثير من الأيام التي انقطع فيها الاتصال والإنترنت، وردها اتصال هاتفي يخبرها فيه أحد أقاربهم بأن زوجها استشهد، إياد الجميل الهادئ المحب، حبيب زوجته وأبنائه صار في عداد شهداء الإبادة.

تخبرنا :"لم أتمالك نفسي، صرخت ورجوته أن يتأكد، ربما يكون حيًا! قلت إن عليه أن ينتظر لقاءنا مجددًا، كيف سيدفن دون أن نودعه؟ كيف ستسير جنازته دون أبنائه؟ كيف لن يكون لنا علمًا بمكان قبره؟ يا ليتنا لم ننزح، يا ليت الحرب هي من تموت".

تسكن مها وأسرتها في خيمة، تنقلت بها أكثر من خمس مرات من منطقة إلى أخرى بسبب التهديدات المتكررة من قوات الاحتلال، كل يوم يمرّ عليها بالحرب تصفه بـ"الجحيم"، ليلها مثقل بأصوات القصف والتدمير والرعب على أبنائها، ونهارها مشبعٌ بطوابير الانتظار لتعبئة المياه وشحن الهواتف والبحث عن الطعام.

"أمارس دور الأب والأم، لا أتردد بفعل أي شيء من أجل أبنائي. أصنع من المستحيل طعامًا في وقت شحّ فيه الطعام، وأشعل النار بأظافري وأنا أحاول تكسير الحطب وتجهيزه".

تتابع: "أمارس دور الأب والأم، لا أتردد بفعل أي شيء من أجل أبنائي. أصنع من المستحيل طعامًا في وقت شحّ فيه الطعام، وأشعل النار بأظافري وأنا أحاول تكسير الحطب وتجهيزه، أعد الخبز ودخان النار يذبح صدري ويقطع أنفاسي، فلا خيارات أمامي!".

قامت مها بفتح خيمة تعليمية للأطفال بمساعدة ابنتها آية صاحبة الـ22 عامًا، من الصف الأول إلى الصف الخامس، كما عملت في مخبزٍ لتوفير بعض المال وشراء الكتب المدرسية لابنها عمر، الذي كان من المفترض أن ينهي الثانوية العامة في عام الحرب، وأما ابنتها أسماء (20 عامًا)، فتساعدهم بأعمال الترتيب والتنظيف وتدريس إخوتها الصغار، الذين أصبح لهم مهامًا بتلبية طلبات واحتياجات الأسرة أيضًا.

تظن الأم أنها "ميتة"، فكل العوامل لذلك متوافرة في القطاع منذ بدء حرب الإبادة في السابع من أكتوبر!

تظن الأم أنها "ميتة"، فكل العوامل لذلك متوافرة في القطاع منذ بدء حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023. تشعر بالموت فقط مع انعدام مؤشرات الحياة، خصوصًا حين يكرر أبناءها الدعاء بتقريب أجلهم كي يلتقوا والدهم الشهيد.. اشتياقًا له، وحاجة له، وحزنًا عليه، وعجزًا تحت كل الظروف التي تقتلهم.

وحين طلبنا منها وصف عامها، كانت هذه إجابتها: "كان عامًا قاتلًا بكل المقاييس، ثقيلًا وقاسيًا. اشتهينا فيه الموت الفعلي بدلًا من الذي نعيشه على مراحل. كان عامًا من الوقوف أمام طوابير الحصول على المياه والطعام من التكيات، كان عامًا مليئًا بالبحث عن خيمة أو شادر، من البحث عن الأغطية، والبحث عن الأمان، والبحث عن منطقة لا يوجد فيها كلاب يمكن أن تنقضّ علينا في أي وقت! كان عامًا مليئًا بـ"إلحقينا يا ماما، يوجد في خيمتنا فأر، يوجد في خيمتنا حشرات، يوجد في خيمتنا ناموس، لأن خيمتنا قطعة من نار جهنم في عزّ حر الصيف".

كاريكاتـــــير