غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على أطراف مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، يجلس سامي الحاج (38 عامًا) أمام منزله المتواضع، ينظر بقلق إلى أبنائه الأربعة الذين يلعبون على الرمال تحت شمس الشتاء الباهتة، وباله مشغول في كيفية توفير مياه الشرب لأطفاله.
نعم، لقد بات الحصول على مياه الشرب شمالي القطاع حلمًا بعيد المنال، مع توقف محطة "الياسين"، أكبر محطات التحلية عن العمل، بسبب منع جيش الاحتلال إدخال الوقود، ما بات يهدد حياة عشرات الآلاف هناك بأمراض وكوارث صحية غير مسبوقة.
يقول الحاج لموقع "نوى" بصوت متهدج: "لم أعد أعرف كيف أوفر مياه الشرب لعائلتي. محطة الياسين، التي كنا نعتمد عليها دائمًا، أغلقت أبوابها بسبب نفاد الوقود. عندما أخبرتُ أبنائي أن المياه غير متوفرة، نظرت في عيونهم ولم أستطع أن أقول أكثر".
كانت محطة الياسين تُنتج نحو نصف مليون لتر من المياه يوميًا، وتُعد المصدر الأساس لمياه الشرب لنحو 400 ألف شخص في شمالي القطاع، بينهم الحاج وأسرته. ومع إغلاق المحطة، وجد الرجل نفسه أمام أزمةٍ لا يستطيع تحملها.
واضطر الحاج بسبب إغلاق محطة التحلية أبوابها إلى استخدام مياه أحد الآبار القريبة، رغم علمه بأنها ملوثة وعالية الملوحة.
يضيف: "المياه التي جلبتها كانت مالحة ومليئة بالشوائب. أطفالي اشتكوا من طعمها، لكنني قلت لهم إنها الخيار الوحيد. أشعر بالعجز عندما أرى زوجتي تحاول غلي هذه المياه لتطهيرها، رغم أننا نعلم أن ذلك لن يزيل الملوحة".
ويتابع: "حتى مياه البئر أصبحت بعيدة المنال. الطوابير طويلة، والجميع يتزاحم للحصول على بضعة لترات. أمس عدت إلى المنزل بعد ثلاث ساعات من الانتظار دون ماء".
عطش العائلة لم يتوقف عند حد المعاناة الجسدية فقط، بل امتد ليؤثر نفسيًا على الجميع. يقول الحاج: "ابني الأكبر، خالد، الذي يبلغ من العمر 10 سنوات، بدأ يتحدث عن أحلامه بمياه نظيفة وكافية. قال لي إنه يشعر وكأننا نعيش في صحراء، وليس في غزة".
أما زوجته فاطمة فتخبرنا أن العائلة حاولت ترشيد شرب المياه حتى أنها أصبحت تقسم ما لديها على كل فرد، حتى الأطفال، وأضافت: "منذ بداية الحرب ونحن نعيش المجاعة والنزوح المتكرر والغارات المكثفة، والموت يحيط بنا من كل جانب، وجاءت أزمة المياه لتضيف إلينا المزيد من المعاناة والألم والاحتياج".

ويشن جيش الاحتلال منذ الخامس من أكتوبر الماضي، اجتياحًا بريًا لشمال القطاع، تسبب بتهجير آلاف المواطنين من مساكنهم وتدمير مساحات سكانية واسعة خاصة في بلدات (جباليا، وبيت حانون، وبيت لاهيا)، كما فرض الجيش سياسة حصار خانقة تسببت في تفاقم حالة المجاعة التي تسود القطاع.
يقول مدير محطة الياسين محمد أبو عودة، لموقع "نوى": "الأوضاع كانت قاسية طوال الوقت، لكنها لم تصل إلى هذا الحد أبدًا. نحن في حالة شلل تام فيما يتعلق بإنتاج مياه الشرب".
وأوضح أن إدارة المحطة أرسلت نداءات استغاثة للمنظمات الدولية، "لكن لم يتحرك أحد"، مضيفًا: "السكان يعتمدون علينا، ومع توقفنا، أصبح الوضع كارثيًا".
وأشار أبو عودة إلى أن سعر لتر السولار في شمالي القطاع وصل إلى (١٠٠ شيقل)، الأمر الذي ضاعف من تكلفة إنتاج المياه الحلوة، مضيفًا: "لقد أصبح ثمن تعبئة جالون مياه سعة ١٦ لترًا يبلغ سبعة شواقل، بعد أن كان قبل الحرب لا يتجاوز شيقلًا واحدًا".
"يبلغ نصيب الفرد في شمال القطاع من مياه الشرب نحو لترين فقط يوميًا. هذه الكمية تتقلص أيضًا مع وجود استخدامات أخرى للمياه مثل طهي الطعام".
وبيّن أنه يبلغ نصيب الفرد في شمال القطاع من مياه الشرب نحو لترين فقط يوميًا، ملفتًا إلى أن هذه الكمية تتقلص أيضًا مع وجود استخدامات أخرى للمياه مثل طهي الطعام.
وأكد أبو عودة أن نزوح آلاف العائلات الفلسطينية من بلدات (جباليا، وبيت حانون، وبيت لاهيا) إلى الأحياء المختلفة في مدينة غزة، زاد من حجم الأعباء الملقاة على عاتق محطات تحلية المياه، في توفير مياه الشرب لهم.
وحذر من استمرار منع الجيش الإسرائيلي إدخال الوقود إلى محطات تحلية المياه، مؤكدًا أن ذلك سيتسبب في تعميق أزمة العطش في شمالي القطاع، التي قد تتسبب بوفاة آلاف السكان، فضلًا عن انتشار الأمراض المختلفة.
وأفاد الطبيب الميداني عبد الله لبد، الذي يعمل في نقطة ميدانية طبية وسط مدينة غزة، بوجود تزايد ملحوظ في حالات التسمم المعوي بسبب شرب المياه غير النظيفة.
"إذا استمر إغلاق محطات تحلية المياه، سنشهد كارثة صحية كبيرة، خاصة بين الأطفال وكبار السن".
وقال لموقع "نوى": "إذا استمر إغلاق محطات تحلية المياه، سنشهد كارثة صحية كبيرة، خاصة بين الأطفال وكبار السن".
وأوضح أن شرب المياه الملوثة والمالحة يؤدي إلى مشاكل صحية متعددة، مثل الإصابة بأمراض الجهاز الهضمي كالإسهال والتسمم المعوي.
وأضاف لبد: "المياه الملوثة تحتوي على بكتيريا وملوثات كيميائية قد تسبب التهابات حادة في الأمعاء وأمراض الكلى، خاصة لدى الأطفال الذين يعانون من ضعف المناعة"، مطالبًا بضرورة زيادة الضغط الدولي على الاحتلال، لإدخال الوقود، وتوفير المياه للمحاصرين شمالي قطاع غزة.
























