شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 14 مايو 2026م01:36 بتوقيت القدس

في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة..

ضحايا في الظل.. عنفٌ أُسري بمخيمات النزوح!

25 نوفمبر 2024 - 15:35

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في خيمةٍ صغيرةٍ داخل أحد مخيمات النزوح، بمدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، تعيش "م.م" برفقة زوجها وطفلتها، حياةً تصفها بـ"الجحيم"، تتضاعف قسوتها يومًا بعد يوم مع تواصل الحرب، وضيق الحال.

مع إعلان دولة الاحتلال الإسرائيلية حربها على قظاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، صار للمعاناة -التي كانت السيدة العشرينية تحياها قبلها- شكلًا آخر، عندما اضطرت للنزول إلى الشارع بحثًا عن عمل، في ظل تعطل زوجها، ونفاد نقوده.

تقول: "بحثت عن أية فرصة لتأمين قوت يومي وطفلتي، ولم أجد خيارًا سوى تنظيف مراكز الإيواء، متحملةً

الإرهاق الشديد وأوامر الطاقم الإداري المجحفة، مقابل دخل يومي لا يتجاوز 20 شيكلًا (حوالي 4 دولارات)".

لم يتوقف زوج "م.م" عند عدم التحرك لإيجاد عمل فحسب، بل أخذ يفرض سيطرته الكاملة على دخلها الضئيل ويتحكم فيه. تزيد: "بمجرد عودتي إلى البيت، أجده في انتظاري عند باب الخيمة. يأخذ مني كل أجري، وينفقه على نفسه، وعندما أخبره بأن ابنتنا بحاجة إلى بعض المتطلبات، يضربني ويعنفني ويشتمني بأبشع الألفاظ، وأمام الجميع".

تزيد: "حتى في الأيام التي أكون فيها متعبة، يجبرني على الذهاب إلى العمل من أجل اليومية؛ ليأخذ المال لنفسه. أعمل بكل ما أوتيت من طاقة ويا ليتني أستفيد بشيء أنا أو هذه الطفلة الصغيرة"، مردفةً بقهر: "رغم كل ما أفعله، يا ليته يعاملني بالحسنى".

تحت الإبادة، وجدت الشابة نفسها، كالكثيرات، في خيمةٍ صغيرة، مكشوفة على كل الخيام المحيطة. تحاول أن تبقي ما يحدث فيها بداخلها كي لا تجد نفسها بين النساء الأخريات موصومة بما يمكن أن يخدش مشاعرها.

في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، الذي يوافق اليوم، الخامس والعشرين من نوفمبر/ من كل عام، وجدت "م.م" نفسها على بساطٍ أحمدي تخبر الحكاية. وترفع صوتها عاليًا -ولو باسم مستعار- لتقول "لا للعنف ضد النساء"، وتزيد بعاميةٍ بسيطة: "إن كان الرجل جدار البيت، فالمرأة عموده الذي يرفعه ويسنده بكل حب وعطاء".

في مخيمات النزوح، ومراكز الإيواء، تزدحم الزوايا بالقصص. عنفٌ جسدي ولفظي وجنسيٌ تتعرض له النساء تحت الإبادة، دونما صوت! هذا العنف الذي تأصل لدى فئة كبيرة من سكان قطاع غزة منذ الأزل، بُني على أساس اعتبار المرأة كيانًا ضعيفًا، وأن العائلة والرجل فيها -على وجه التحديد- في مقام فارض السيادة، لتكون ضحية تمييز مبني على النوع، جعلها عرضةً لانتهاكات مستمرة، في البيت وخارجه أيضًا.

وتعيش "س.م" (27 عامًا)، وهي أم لطفلين، حالةً نفسية صعبة بعد تهجيرها وعائلتها من منزلهم بسبب القصف، وانتقالها إلى مخيم إيواء، "لكن هناك، تحولت حياة الخوف من القصف إلى رعب داخل الخيمة" تستدرك.

كان زوج السيدة يعاملها بعنف حتى قبل النزوح، لكن الوضع تفاقم بعد فقدانه العمل ومصدر الدخل، وبدأت تتعرض للضرب بشكل شبه يومي، بالإضافة إلى اتهامه المستمر لها -وفق قولها- بأنها سبب كل مشاكله، "ما يجعله ينفس بضربي كل غضبه وتوتره" تقول.

وتضيف: "لم أعد أملك مكانًا آمنًا ألجأ إليه، في كل مرة أتعرض للضرب أظل صامتة خوفًا من أن أفقد أطفالي أو يتم طردنا من المخيم، كل ما أفعله هو البكاء والانعزال عمن حولي".

وتصف المستشارة النفسية لطيفة شتات، تفاقم العنف الأسري خلال الحرب المتواصلة للعام الثاني على التوالي، بأنه ظاهرة مقلقة وعميقة التأثير على الصحة النفسية للفئات الأكثر هشاشة، وخاصة النساء والأطفال.

وترى أن هذا العنف ليس ظاهرة جديدة، لكنه تصاعد بشكل غير مسبوق في ظل النزوح القسري وتدهور الأوضاع المعيشية، حيث فرضت الظروف الصعبة ضغطًا هائلًا على الأسر، مما خلق بيئة خصبة لممارسة العنف في الخيام ومراكز الإيواء.

"العنف المتصاعد لا يقتصر على الإيذاء الجسدي فحسب، بل يتعدى ذلك إلى تدمير الصحة النفسية للضحايا، الذين يختبرون مشاعر الخوف، والإهانة، واليأس يوميًا".

وأوضحت خلال حديثها لـ"نوى" أن العنف المتصاعد لا يقتصر على الإيذاء الجسدي فحسب، بل يتعدى ذلك إلى تدمير الصحة النفسية للضحايا، الذين يختبرون مشاعر الخوف، والإهانة، واليأس يوميًا، وتقول: "هذا العنف يترك ندوبًا نفسية عميقة، حيث يضطر الضحايا للعيش في دوامة من التوتر المزمن، وفقدان الأمان، والشعور بالانكسار الداخلي".

وفي الوقت الذي يعاني فيه الضحايا من آثار الصدمة بشكل يومي، قد لا يدركون حتى مدى تأثرهم النفسي العميق، "فبعض الحالات التي تعاملت معها حاولت الانتحار" تؤكد، مشيرةً إلى أن هذه الصدمات النفسية ستظل حاضرة حتى بعد انتهاء الحرب، حيث تترسخ آثارها في الذاكرة وتؤثر على قدرة الضحايا على استعادة حياتهم الطبيعية.

وتضيف: "العديد من النساء والأطفال الذين تعرضوا للعنف، سيعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق المستمر، والاكتئاب، وربما يجدون صعوبة في بناء علاقات صحية مستقبلًا؛ لأن العنف الأسري يزرع شعورًا دائمًا بعدم الثقة والأمان".

وبناءً على ذلك، تؤكد لطيفة شتات أهمية التدخلات النفسية العاجلة والمستمرة بعد انتهاء الحرب؛ للتخفيف من الآثار النفسية المتفاقمة، ولتوفير الدعم النفسي للنازحات اللواتي عشنّ  تجربة العنف المزدوج "العنف الخارجي الناتج عن الحرب، والعنف الداخلي الناتج عن انعدام الأمان في منازلهم المؤقتة".

كاريكاتـــــير