شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م10:27 بتوقيت القدس

"أونروا" تحذّر من تأخّر وصول كميات جديدة..

"القتل جوعًا".. دودٌ حَي في طحين غزة!

25 نوفمبر 2024 - 10:52

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يُقال إن "الجوع كافر"، يتساءل كثيرون تحت الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة منذ أكثر من عام، إذا ما كان قائل هذه العبارة قد عاش نفس ظروفهم؟

لقد قُتل المُسن حمد النحّال في منطقة خربة العدس شمالي رفح، بينما كان يحاول العودة بكيس طحين من منزله شبه المدمّر! في أي زمنٍ قُتل المرء هكذا؟ بالقصف، والقنص، وهدم المنازل فوق رؤوس من هم فيها؟ في أي زمنٍ نهشت الكلاب من لحم الجثث؟ في أي زمن مات إنسانٌ من الجوع والعطش وأغلقت الحدود من حوله؟ منع عنه الطعام والشراب ووفّر جلاده له ولأطفاله "الموت".. الموت فقط؟

حمد، هو رجل فلسطيني في السبعين من عمره، لم يجد أمامه سبيلًا لتوفير الطحين لأبنائه وأحفاده سوى المخاطرة بنفسه والعودة إلى منزله في مدينة رفح، على عين الطائرات والمُسيرات!

مدنيٌ أعزل لم يحمل سلاحًا، مشى إلى بيته جائعًا، مثقلًا بالهموم التي دفعته للذهاب أملًا بأنه لن يستهدف، أو لأنه يدرك أنه إن لم يمت بالقصف، سيموت من الجوع! "أنا في كل الأحوال ميت، لماذا لا أخاطر من أجل الطحين؟" ربما هذا ما دار في ذهنه.

"تسير الناس وهي تحدث نفسها، تهز برأسها وتتفاعل بإيماءات وجهها كما لو كانت تخوض حوارًا مع أحد" يقول عماد شخصة (65 عامًا)، نزح من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة إلى مواصي خانيونس جنوبي القطاع.

ويضيف: "لا أبالغ بالقول، نحن نعيش العجب، في زمنٍ نناشد فيه من أجل كيس طحين يسد جوعنا! تصل أصواتنا بصورة حية ومباشرة لكن دون أدنى جهد يلجم صوت أمعائنا الخاوية".

في جنوبي قطاع غزة، وصل ثمن كيس الطحين بوزن 25 كيلو إلى 600 شيكل، ليس بجودة جيدة، بل رديء وتاريخ صنعه قديم، لكن لا خيار أمام المحاصرين بين الموت والجوع سواه!

يحمل الرجل همّ عائلته (الأطفال تحديدًا) عندما يتم تقسيم الأرغفة التي تمكن من توفيرها بعد مشقة وعناء، وعندما لا يقتنع الأطفال بأن حصتهم في اليوم الواحد لن تتجاوز رغيفًا ونصف لثلاث وجبات، يبدؤون بالصراخ و"الحرد" على حد تعبيره.

يتابع: "يبكون، وأنا قلبي يأكله الهم فأستغني عن حصتي وهي رغيف واحد فقط. الجوع وسماع صوت معدتي في الليل أهون علي من بكاء أحفادي لأجل الخبز".

الحال ذاته تعاني منه عشرات الآلاف من الأسر في جنوبي القطاع. تحدث الخلافات نفسها على رغيف الخبز، حتى لو كان يحتوي على حشرة "السوس"، وحتى لو كان الطحين "مدوّد" ورائحته نتنة، لكنه نعمة! حسب ليلى ناصر.

ثلاثة أيام مضت على عائلة ليلى التي اهترأت قدماها من أجل توفير كيلوات بسيطة من الطحين، تسد فيها جوع أبنائها الخمسة وأمها المسنة، ولم تجد.

تخبرنا: "كنت أسمع صوت أنين أمي في الليل، تقول إنها جائعة. وأنا أحاول كتم صوت بكائي حتى لا تراني مستيقظة فأخبرها عجزي وقلة حيلتي".

"جعانة يمه" قالتها عشرات المرات في ساعة، حتى سمعتها جارتها بالخيمة، وجلبت لها رغيفًا.. ناولتها إياه بالهمس حتى لا يستيقظ الصغار، فتفتح موجة جوع لن يستطيع أحد إخمادها.

في صباح اليوم التالي، رزقت الجارة بكيس من الطحين، كان ممتلئًا بالدود والسوس ورائحته كريهة، لكن ليلى لم تتردد أبدًا حين عرضت عليها مناصفته، بل على العكس، رأته كنزًا ثمينًا في زمنٍ عزّ فيه الأكل، حتى صار الموت بالصواريخ والقذائف أخف وطأة على الإنسان الذي يحارب بالتجويع!

وفي منزل الهباش، يقوم أمجد بمساعدة زوجته بطرق عديدة للتخلص من رائحة الطحين والتحايل على الواقع، فثمن الكيس الذي استطاع توفيره يعادل أثمن ما يملكه، حين استطاع انتزاع حصته من مركز إيواء بين عشرات الآلاف من الذين كانوا ينتظرون، وكادوا أن يقتلوا بعضهم البعض من أجله.

ينخلونه مرة ومرتين وثلاث؛ لتنظيفه من السوس، ثم يظهر لهم الدود فيقومون بوضعه بالشمس لساعات عديدة، وبعدها في عملية العجين يضيفون سائل "الفانيلا" لكسر حد رائحته الكريهة!

يوضح أنهم يقومون أولًا بعملية تنخيله لمرة ومرتين وثلاثة، من أجل تنظيفه من السوس، ثم يظهر لهم الدود فيقومون بوضعه بالشمس لساعات عديدة، وبعدها في عملية العجين يضيفون سائل "الفانيلا" من أجل كسر حدة الرائحة الكريهة التي تنبعث منه وتدل على عفنه.

يكمل الرجل: "رائحة الطحين لا أقوى على تحملها، إنه متعفن، حتى مع كل الطرق التي نتبعها، يشكو منه الصغار ويأكلونه مجبرين بسبب الجوع"، مشيرًا إلى أنهم تقيأوا الطعام أكثر من مرتين على مدار الأيام السابقة، "وكنا نعلم أنه بسبب الطحين، لكن ليس أمامنا خيار آخر" يعقب.

وكانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، أعلنت سابقًا أن هناك 7 مخابز فقط تعمل في قطاع غزة من أصل (19) مدعومة من الجهات الإنسانية، ففي دير البلح وخان يونس، تعمل 3 مخابز بكامل طاقتها، لكنها مهدّدة بنفاد الطحين خلال أيام قليلة، وفي⁠ مدينة غزة، حيث تسبب نقص الوقود في خفض الإنتاج بنسبة 50%.

وحذرت "أونروا" من تأخّر وصول الوقود والطحين، الذى قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة، مما يترك عددًا لا يحصى من الناس دون الحصول على الخبز، وهناك حاجة ماسة لاتخاذ إجراءات عاجلة لتلبية احتياجات الناس الملحة.

كاريكاتـــــير