غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
وسط ضجيج الباعة في سوق دير البلح، يجلس محمد الذي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، منهمكًا في خياطة حذاء مهترئ. يده الصغيرة تمسك الإبرة بحذر، وملامح وجهه المُتعَبة تروي حكاية فقدان الطفولة قبل الأوان.
محمد فقَدَ والده في غارة إسرائيلية وقعت بالقرب من منزلهم في حي الدرج وسط مدينة غزة، لتجد العائلة نفسها بلا مأوى. نزح مع أمه وأشقائه الثلاثة إلى الجنوب، وأصبح فجأة معيلهم الوحيد.
يقول محمد لـ"نوى" ممسكًا بيده حذاءً باليًا كان يحاول إصلاحه: "كنت أحلم أن أصبح طبيبًا أو لاعب كرة قدم، لكن بعد استشهاد أبي، وجدت نفسي أعمل يوميًا في السوق حتى أتمكن من إطعام إخوتي".

وأوضح أن خاله اصطحبه إلى أحد اصدقائه ليعلمه مهنة خياطة الأحذية، من أجل أن يوفر لقمة عيش والدته وأشقائه الأطفال.
والدته أم محمد، تعيش في خيمة بالقرب من السوق، تقول: "الحرب سرقت منا كل شيء، البيت، الزوج، وحتى طفولة أبنائي. محمد صغير جدًا على تحمل هذه المسؤولية، لكنه لم يتراجع لحظة عن الوقوف بجانبنا".
وأضافت: "أنا فخورة به، لكنني أتمنى لو يعود طفلًا يلعب ويدرس بدلًا من أن يعمل طوال اليوم".
لقد قتلت الحرب طفولة محمد مرتين، الأولى عندما فقد والده، والثانية عندما اضطر أن يكون رجل الخيمة متحملًا مسؤولية إطعام أشقائه.
وبينما يحتفل العالم بيوم الطفل العالمي في الـعشرين من نوفمبر من كل عام، يبرز واقع الطفولة المسلوبة في غزة كصرخة للعالم للتدخل وإنقاذ الأطفال الفلسطينيين، الذين أنهكت الحرب أجسادهم الصغيرة تحت وطأة الاحتلال والحصار.
شركاء الرحم والعمل
مثل قصة محمد هناك مئات وربما آلاف القصص، التي صنعتها الحرب عن طفولة اغتصبت، ففي أحد أزقة مدينة غزة المكتظة بالأنقاض والركام، يعمل التوأمان علي وأحمد البالغان من العمر 15 عامًا في العتالة.
ويحمل الطفلان أكوام الحطب على ظهر عربة الكارو، وينقلانها إلى تاجر الحطب الذي يدفع لهما لقاء هذا العمل الذي يستمر منذ طلوع الشمس وحتى مغيبها ٣٠ شيقلًا فقط، لا تكفي لشراء نصف كيلو من البطاطا أو الطماطم في مدينة غزة التي تواجه مجاعة قاسية.

يعيش علي وأحمد مع والدتهما وشقيقتين تصغرهما سنًا في غرفةٍ صغيرة تعود لأحد أقربائهم بعد أن دمرت الحرب منزلهم. ومنذ اعتقال والدهما، لم يكن أمامهما خيار سوى البحث عن عمل.
يقول علي لـ"نوى": "كان أبي يعيلنا ويهتم بنا، أما الآن، فقد أصبحنا نحن المسؤولين. لا أحد يسأل عنا، وكل ما نكسبه بالكاد يكفي لشراء الخبز والطعام ليوم واحد".
بين العمل في الأسواق ومساعدة التجار، يقضي علي وأحمد باقي يومهما في الطوابير. طابور أمام المخابز للحصول على الخبز، وآخر أمام تكيات الطعام للحصول على وجبة تسد رمق أسرتهم، وآخر للحصول على مياه الشرب.
يقول أحمد: "لم نتلق أي تعليم منذ أكثر من عام، فالغارات دمرت مدرستنا تمامًا، وكلما مررت بجانب ركام مدرستنا القديمة، أشعر بالحزن. كنا نلعب هناك ونتعلم، لكن الآن نحن نعمل كالكبار".
ومنذ بدء الحرب حرم نحو 620 ألف طالب وطالبة في القطاع من حقهم في التعليم المدرسي، إذ دمر جيش الاحتلال 80% من مدارس القطاع بشكل كامل.
بلغ عدد الشهداء من الطلبة الملتحقين بالمدارس في غزة نحو 6 آلاف طالب، وعدد الجرحى نحو 10 آلاف.
كما بلغ عدد الشهداء من الطلبة الملتحقين بالمدارس في غزة نحو 6 آلاف طالب، وعدد الجرحى نحو 10 آلاف.
وبينما أفاد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن حوالي 70 في المئة من ضحايا الحرب هم من الأطفال والنساء، كشف تقرير محلي عن أن قرابة 43 ألفًا و349 طفلًا يعيشون بدون والِدين أو بدون أحدهما في قطاع غزة، بعد أن كان هذا الرقم 26 ألفًا عام 2020م.
ولفتَ ذات التقرير إلى أن أكثر من 816 ألف طفل بحاجة إلى مساعدة نفسية من آثار العدوان الإسرائيلي الذي "ترك آثارًا نفسية عميقة في داخلهم مثل الشعور بالخوف والقلق والاكتئاب، والصدمة النفسية".
وبحسب جهاز الإحصاء الفلسطيني، فمن المتوقع أن يبلغ عدد الأطفال دون 18 سنة منتصف العام 2024م في قطاع غزة 1,067,986 طفلًا، يشكلون ما نسبته 47% من إجمالي سكان القطاع.
وتقول الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال في بيان "إن الحرب طالت كامل منظومة حقوق الطفل وخاصة الحقوق الأساسية، كالحق في الحياة والبقاء والنمو وغيرها من الحقوق المتعلقة بالصحة والتعليم والماء والغذاء والدواء والبيئة النظيفة والمأوى".
أضرار جسيمة
ويؤكد أستاذ علم النفس الاجتماعي، د. درداح الشاعر، أن الحرب المستمرة خلّفت أضرارًا جسيمة على جميع المستويات الاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، والنفسية، ما جعل الطفولة في غزة واحدة من أكثر الشرائح تضررًا.
وقال الشاعر لـ"نوى": "إن الحرب أدت إلى تدمير الروابط الأسرية بسبب فقدان الآباء وغياب الاستقرار، فالأطفال الذين فقدوا ذويهم أصبحوا يتحملون أدوارًا تفوق أعمارهم، ما يؤدي إلى فقدان الشعور بالأمان والانتماء".
وأضاف: "إن الاضطرابات النفسية تنعكس على العلاقات الاجتماعية للأطفال، حيث يفقدون القدرة على التفاعل الطبيعي مع أقرانهم نتيجة الأعباء والمسؤوليات المبكرة".
ويرى الشاعر أن تعطيل العملية التعليمية لأكثر من عام نتيجة الحرب والدمار "يجعل الأطفال عرضة لفقدان فرص التطور والنمو الفكري، ويؤدي إلى ارتفاع معدلات الأمية على المدى الطويل".
الأطفال العاملين على تأمين لقمة العيش، يعانون من استغلال اقتصادي جسيم، حيث يعملون في ظروف خطرة ومهينة.
وأشار أيضًا إلى أن الأطفال العاملين على تأمين لقمة العيش، يعانون من استغلال اقتصادي جسيم، حيث يعملون في ظروف خطرة ومهينة مردفًا بانفعال: "تحوُّل الأطفال إلى عمال بدلًا من طلبة يشكل جريمة اجتماعية واقتصادية تهدد استقرار المجتمع بأسره".
وشدد الشاعر على أن استمرار هذه الأوضاع دون حلول جذرية "سيجعل الأطفال في غزة جيلًا مضطربًا نفسيًا واجتماعيًا، يفتقر إلى التعليم والتأهيل، ويعاني من الفقر المدقع، ما يعزز دوامة الأزمات لعقود قادمة".
























