غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"بكيت. لمّا رأيتُ الملاعب التي كبُرتُ ولعبتُ وتمرّنت فيها تُهدم وتُجرّف" يقول لاعب منتخب فلسطين توفيق البيك (21 عامًا) لـ"نوى".
ويضيف: "مزّقت قلبي مشاهد تحويلها إلى مراكز اعتقال وإيواء. أدركتُ أمامها أن مستقبل الرياضة في قطاع غزة مجهول، وأن الحياة التي تنتظرنا ستُغرقنا في همومها، وتهمّش أحلامنا طويلًا، حتى لو انتهت الحرب اليوم".
البيك الذي لعب لناديي غزة الرياضي والصداقة، ومنتخب فلسطين، تحدث عن خيار النزوح الذي أجبر عليه أكثر من مرة بعد قصف بيتهم، واستشهاد الكثير من أفراد العائلة. نزوحٌ من مدينة غزة إلى خانيونس، ثم إلى رفح جنوبي قطاع غزة. "ووحش الموت يلاحقنا دون رحمة" يعقب.
هنا لم يجد خيارًا أمام كل هذا الموت إلا السفر، قبل أن يغلق المعبر بوقتٍ بسيط. غادرَ بمعية جنسيته المصرية التي يملكها بالإضافة للجنسية الفلسطينية، خرجَ وعائلته تحت النار، وتنفس الصعداء هناك بعيدًا عن القصف والموت والدمار.
بعد فترةٍ في مصر توجه إلى جنوب أفريقيا، وبقي لعدة شهور قبل أن ينضم إلى معسكر المنتخب الوطني الفلسطيني، ويشارك في بطولة "كأس الحرية"، التي تجمع فلسطين وجنوب أفريقيا في مباراة ودية ضمن زيارة رياضية في إطار مبادرة "كرة القدم من أجل الإنسانية"، الداعمة لفلسطين في حرب الإبادة.
وبنظرة متفائلة طموحة يقول: "شاءت الظروف أن أتلقى عرضًا مهما للعب بأحد الأندية الليبية، وبالفعل وقّعتُ على العرض، وشاركت مع الفريق الليبي في بطولة الدوري المحلي"، مستدركًا: "لكنني الآن بعد انتهاء عقدي متواجد في مصر، أبحث عن فرصة أخرى".
بالنسبة لداليا نصر (24 عامًا)، لاعبة ومدربة كرة السلة في نادي غزة الرياضي وأكاديمية "سبورتينغ"، وأول لاعبة فلسطينية تحترف اللعبة في السعودية، فلم تجد سبيلًا أمامها وعائلتها سوى مغادرة المدينة الجريحة، لحاقًا بحلمٍ كبيرٍ بدأ يتحقق، لكنه قُصف ودُمر كما الحياة في غزة.
أجليت الشابة بناءً على جنسية والدتها التركية. بكت كثيرًا وهي تترك خلفها أحلامها، وأصدقاءها، وذكرياتها، وغادرت البلاد في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول 2023م.

كانت داليا أنشأت مشروعها الرياضي الخاص قبل الحرب بأقل من عام، "أكاديمية رياضية" متخصصة بالألعاب الرياضية المتعددة، التي تخدم فئتَي السيدات والرجال.
تقول: "بعد سنوات طويلة في اللعب، أسستُ لحلمي وأنشأتُ (سبورتينغ غزة الرياضي)، وبدأ الإقبال من قبل الفتيات والشباب. كنتُ أنتظر أن تصل الأكاديمية إلى عمر عام، لأبدأ بتنظيم بطولات وفعاليات. تعبتُ كثيرًا وكلفني ذلك الكثير من الوقت والجهد لدرجة أنني قدمت استقالتي من شركة جوال وبالتل، حتى أُعطي الأكاديمية حقها".
تضيف: "أصبح الخروج من غزة أمرًا واقعًا، وكان أمامي خيار وحيد.. البحث عن مستقبل جديد في عالم كرة السلة"، موضحةً أنها عندما وصلت تركيا بدأت بالبحث عن مراكز تدريب، ولما لم أجد، بدأتُ التدرّب بشكل فردي في حديقة منزلي".
التقت داليا بمدربٍ تركي لكرة السلة تطوَّع لتدريبها، "لكن المسافة من البيت إلى مكان التدريب بعيد جدًا. يستغرق ساعتين للوصول، ولهذا لم أستطع الالتزام" تستدرك.
لم تُخفِ حزنها وبكت لضياع كل الأحلام، وتزيد: "المستقبل مجهول، أشعر بغصة كلما حضرت مباريات لكرة السلة، واختنقتُ وأنا أشاهد الفرق العربية التي شاركت مؤخرًا في بطولة الأندية العربية، لا سيما وأنا أعرف اللاعبات بشكل شخصي، من السعودية والأردن وسوريا والجزائر"، مردفةً: "كنتُ أبكي بحرقةٍ دون أن أشعر".
تزيد: "الاحتلال قضى على أحلامي كلها. ألعب الكرة منذ عشر سنوات، وفي النهاية أجد نفسي أقف عند نقطة الصفر".
وتتشابه ظروف اللاعبين في حرب الإبادة. كلٌ منهم يريد أن يبحث عن فرصة كي لا يضيع مستقبله، ومعظمهم ما زالوا في مقتبل العمر.
ولم يكن لاعب كرة القدم خالد دادر (26 عامًا) أحسن حالًا، اتخذ قرار السفر بصعوبةٍ بالغة، بعد أن عاش صنوف القصف والخوف والتدمير والنزوح.
يخبرنا: "بدأ الخوف والإحباط يتسللان إلى نفسي خلال الإبادة، وبعد استشهاد ما يزيد على 50 شهيدًا من أفراد عائلتي، وتدمير جميع أندية كرة القدم، بدأت أفكر كيف سأكمل مشواري الرياضي، وبت أخشى المستقبل".
عانى اللاعب كثيرًا من أجل الخروج من غزة، الأمر كان أشبه بالمستحيل، خاصةً وأن السفر كان يحتاج إلى مبالغ كبيرة قبل أن يغلقه المحتل بعد اجتياح مدينة رفح.
يتابع: "عشتُ صراعًا مرعبًا بين تأمين المبلغ، والخروج للبحث عن مستقبلي الكروي. خرجتُ من غزة بمساعدة الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، وتمكنتُ من توقيع عقد مع نادي "ديبورتيفو إنديبندينتي دي فاليكاس" الإسباني، وأنتظر الآن الحصول على الإقامة، لكي أستطيع أن أصل للدرجات العليا في الأندية الإسبانية".
في إسبانيا، بقي عقل خالد وقلبه معلقَين بأهله وذويه، الذين بقوا هناك في غزة، يعايشون أيام الإبادة المرة. يحاول ما استطاع تحقيق شيء من أجل بلده أولًا، ثم من أجل مستقبله الكروي الذي كانت تمزقه الحرب إربًا.
يعيش مواقف متواصلة يفقد خلالها كل يوم جزءٌ من روحه، أقلها حين يحاول التواصل مع عائلته دون رد أو خبر!
ووفق إحصائيات اللجنة الأولمبية الفلسطينية، فإن أكثر من 400 رياضي استُشهدوا في الحرب المستمرة على غزة، فضلًا عن إصابة واعتقال وتشريد الآلاف منهم.
وقد دمّر الاحتلال حوالي 70% من المنشآت الرياضية والملاعب، واستخدم بعضها كمراكز اعتقال، أو مقرات لانطلاق عمليات الجيش الإسرائيلي.
























